فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 181

التحقيق في صفة حال محمد"من أول نشأته، وإعداد الله _ تعالى _ إياه لنبوته ورسالته: هو أنه خلقه كامل الفطرة؛ ليبعثه بدين الفطرة، وأنَّه خَلَقَهُ كامل العقل الاستقلالي الهيولاني (1) ؛ ليبعثه متممًا لمكارم الأخلاق، وأنه بُغِّض إليه الوثنية وخرافات أهلها ورذائلهم من صغر سنه، وحبب إليه العزلة حتى لا تأنسَ نفسه بشيء مما يتنافسون فيه من الشهوات واللذات البدنية، أو منكرات القوة الوحشية، كسفك الدماء، والبغي على الناس، أو المطامع الدنيئة كأكل أموال الناس بالباطل؛ ليبعثه مصلحًا لما فسد من أَنْفُسِ الناس، ومزكِّيًا لهم بالتأسِّي به، وجعله المثلَ البشريَّ الأعلى؛ لتنفيذ ما يوجه إليه من الشرع الأعلى."

فكان من عفَّته أنْ سَلَخَ مِنْ سني شبابه وفراغه خمسًا وعشرين سنة مع زوجته خديجة كانت في عشر منها كهلةً نَصَفًا أمَّ أولاد، وفي خمسة عشر منها عجوزًا يائسة من النسل، فتوفيت في الخامسة والستين وهي أحب الناس إليه، وظل يذكرها، ويفضِّلها على جميع من تزوج بهن من بعدها، حتى عائشة بنت الصديق على جمالها، وحداثتها، وذكائها، وكمال استعدادها للتبليغ عنه، ومكانة والدها العليا في أصحابه.

وظل طول عمره يكره سفك الدماء ولو بالحق، فكان على شجاعته الكاملة يقود أصحابه؛ لقتال أعداء الله وأعدائه المعتدين عليه وعليهم؛ لأجل صدهم عن دينه، ولكنه لم يقتل بيده إلا رجلًا واحدًا منهم هو أبي بن خلف كان موطِّنًا نفسه على قتله"فهجم عليه وهو مُدَجَّجٌ بالحديد من مِغْفَر ودرع، فلم يجد"بدًا من قتله، فطعنه في ترقوته من خلل الدرع والمغفر فقتله.

وظل طول عمره ثابتًا على أخلاقه، من الزهد والجود والإيثار، فكان بعدما أفاء الله عليه من غنائم المشركين واليهود يؤثر التقشف، وشظف العيش على نعمته، مع إباحة شرعه لأكل الطيبات، ونهيه عن تركها؛ تدينًا.

(1) الهَيُولَى: كلمة يونانية ومعناها: أصل الشيء ومادته، ومعنى الهيولاني: الأصلي. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت