فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 181

كلما خارت قواي وظننت أن الاستسلام للتيار أجدى رجعت بروحي وعقلي إلى سيرة القدوة الأعظم"فوقفت وقفة الخشوع والإجلال تجاه سنين من حياته الشريفة قضاها في معالجة أخلاق قومه العرب، وإعدادهم لحمل مَشْعَلِ الفضيلة والهدى، والسير به في أقطار الدنيا."

وما هي إلا سنوات قلائل حتى كانت دعوة الإسلام أعز دعوة تتحرك به الألسنة، وحتى كانت الشعوب تتجرد من عقائدها وعباداتها، بل من ألسنتها وعاداتها؛ لتدخل تحت لواء الإسلام، وتنادي بكلمة =حي على الفلاح!+ في آفاق جديدة من آفاق الأرض.

كان من أول ما اشتهيت أن أعرفه _ يوم دخلت مكة _ جبل حراء الذي خوطب عليه سيد الخلق"بوحي الحق جل سلطانه، ودار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي التي كانت مُخْتََبَأَ النبي"وأصحابه إلى أن بلغوا أربعين، فكان منهم صفُّ الجهاد الأول في سبيل إعلاء كلمة الله _عز وجل_.

وقفت من جبل النور على قُلَّة شامخة زَلُوج (1) ، وأرسلت بصري في الآفاق، فإذا جبال خالية من الناس بعيدة عن ضوضائهم، مستريحة من دسائسهم وشرورهم، أمرها الله أن تكون فكانت، ولا تزال على ما أمرها الله به من غير تبديل أو تعديل إلى أن يأمرها الله بالزوال فتزول.

وتشرفت بدخول الغار المبارك، ثم خلوت بنفسي بعيدًا عن أصحابي أتأمل كيف أن روح خاتم الأنبياء، وسيد أولي العزم كانت من السعة بحيث ترجو الله أن تعم كلمة =لا إله إلا الله+ جميع أقطار الدنيا، وأن تعلو أرواح سكان تلك الأقطار من حضيض العبودية للبشر أوالجمادات إلى مستوى التوحيد الخالص الذي لا يليق بعقولِ البشر ونفوسِهم غيره، وأن تتحول أمم الأرض عن خرافاتها وأكاذيبها وخساساتها وحِيَلِها، فتكون بالإسلام أمة صدق ورحمة، وإيثار وعمل، وجهاد وإصلاح.

(1) القُلَّة: القِمَّة، وقوله: شامخة زلوج: أي مرتفعة زلقة (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت