بهذا فسر شيخ الإسلام ابن تيمية حديث معادن الناس، وكان ينظر _ وهو يعالج هذا الموضوع الدقيق _ إلى آية الحجرات 13 [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ، كما ينظر إلى حديث عبدالله بن عمر قال: إنا لقعود بفناء رسول الله"إذ مرت امرأة، فقال بعض القوم: هذه ابنة محمد"_ والحقيقة أنها كانت درة بنت أبي لهب، وكانت زوجة للحارث بن نوفل، ثم تزوجها دحية الكلبي _ فقال رجل: إن مثل محمد"في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن؛ فانطلقت المرأة فأخبرت النبي"فجاء _ عليه السلام _ يُعرَفُ في وجهه الغضب، ثم قام على القوم فقال: =ما بال أقوام تبلغني عن أقوام؟ إن الله _ عز وجل _ خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم؛ فأنا خيار من خيار؛ فمن أحب العرب فبحبي أَحَبَّهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم+.
قال الحافظ العراقي: =وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، ورواه من غير هذا الإسناد _أيضًا_ وروى نحوه من حديث أبي هريرة، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط وقال: حديث صحيح+.
فالتفاضل بالتقوى هو الأصل، وهو الحقيقة والغاية، وكرم المعدن فضيلةُ جملةٍ، ومظنة أن يوجد فيه الخير أكثر مما يوجد في غيره.
إن البيئة التي ولد فيها خاتم رسل الله، وهي قريش سكان شعاب مكة وبطاحها _ قد تفاوت رجالها ونساؤها في سرعة الاستجابة لدعوة الإسلام؛ فهذا عمر بن الخطاب كان من مشركي قريش يوم كان أبو بكر أول رجل من قريش استجاب لهذه الدعوة، وأخذ يحببها بحكمته ورجاحة عقله ودماثة خلقه إلى طائفة من أعز شباب قريش في بطحاء مكة، من أمثال عثمان، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم من مسلمي الرعيل الأول؛ فهل أزرى بعمر أن تأخر إسلامه عن إسلام هؤلاء وعن إسلام أخته وصهره؟.