فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 181

ولما تقطعت من حوله أسباب النصر الظاهرة، ولم يبق من سبب إلا سنة تأييد الله الخفية _ أخذ حصيات ورمى بها في وجوه المشركين؛ فأدبروا.

ومن أقرب الشواهد على أنه يأخذ بوسائل الحذر، ويلاقي الأخطار في سكينة ورباطة جأش _ أنه كان يوم هاجر، وآوى إلى غار ثور؛ احتراسًا من أن يبصره عيون المشركين رأى الشيخَ الوقورَ أبا بكر الصديق وقد ساوره حزن، فَثَبَّتَ فؤاده، وقال له: [لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] (التوبة:40) .

والشأن في رئيس القوم الذي يأنسُ في عدوه قوة تفوق قوته أضعافًا مضاعفة _ أن يقف موقف الدفاع؛ لأن الغلبة إلى الدفاع أقرب منها إلى الهجوم، وقلما حدثته نفسه أن يهاجم قومًا هم أكثر منه عَددًا وأوفى عُددًا.

أما رسول الله"فقد بلغه أن الروم وقبائل من العرب يجمعون جموعهم؛ ليزحفوا على المدينة، فنادى بالتهيؤ لغزو الروم، وجدَّ في السير حتى انتهى إلى تبوك؛ فقذف الله في قلوب أولئك القوم رعبًا؛ فأتاه رؤساؤهم، وطلبوه إلى الصلح، وأعطوه الجزية، ولما أَمِنَ مكرهم قفل إلى المدينة راجعًا."

أما إقدامه في الدعوة إلى الحق وهو ما يسمونه الشجاعة الأدبية فأوضح ما يعبر عنه أنه نشأ بين قوم غلاظ شداد، لا قانون يرهبهم، ولا محاكم تزجرهم؛ فقام يطعن في دينهم، ويذم آلهته، ويسفه أحلامهم، ويعيب كثيرًا من عاداتهم، وطالما آذوه فاحتمل الأذى، وتوعدوه فما وهن لوعيدهم حتى كأن وعيدهم له حث وإغراء.

فحقيق على علماء الإسلام وزعمائه أن يقتدوا برسول الله"في أدب الشجاعة التي هي الإقدام في حكمة، فقد جرت سنة الله على أن الحق لا يمحق الباطل ، والإصلاح لا يدرأ الفساد، إلا أن يقيض الله لهما رجالًا يؤثرون الموت في جهاد على الحياة في غير جهاد."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت