لقد عارض أهل الأهواء الكتاب والسنة معتمدين على تحكيم عقولهم وآرائهم، مما أدى إلى انحرافهم وضلالهم.
وقد وقف علماء هذه الأمة يردون على المبتدعة هؤلاء ويبينون لهم الطريق الأقوم ... مع العلم بأن العقل السليم قلما يتعارض مع النقل الصحيح. قال شارح الطحاوية:
(( إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم النقل، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفضهما رفض النقيضين، وتقديم العقل ممتنع لأن العقل قد دل على صحته السمع، ووجب قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ) ). (22)
فالأصل عند المسلمين عند التلقي هو القرآن والسنة وهما معيار على العقل. قال ابن عبد البر: (( واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والمعيار عليه، وليس الرأي بالمعيار على السنة، بل السنة معيار عليه، ومن جهة الأصل لم يصل الفرع أبدًا ... ) )وقال أيضًا: (( من عارض السنن برأيه ورام أن يردها إلى مبلغ نظره فهو ضال مضل ) ). (23)
ويتحدث ابن القيم محذرًا من فساد هذا الطريق، طريق الرأي وحده ويقول: (( لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليها، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في نظرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور، حتى رُبي فيها الصغير، وهرم عليها الكبير، فلم يردّها منكرًا، فجاءتهم دولة أخرى، قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل والضلال مقام الهدى ... والجهل مقام العلم .. ) ). (24)
ولاشك أن ابن القيم رحمه الله يحذر من اتّباع الهوى والعقل على حساب النص، أما القياس الذي يعتمد على مشابهة النصوص، والاجتهاد في قضية عند أهل الاجتهاد، فما كان مردودًا عنده ولا عند علماء الأمة.