تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ (سورة البقرة، آية 188) ، وقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} (سورة النساء، آية 29) .
وإنَّ الناظر في المعاملات الشرعية والعقود والشروط الضابطة لها ليجد أنَّ الالتزام بها كما انه طاعة وقربة لله فهى قد جاءت لحكم ومصالح ظاهرة لا تخفى، قصد بها صلاح الخلق في معاشهم، وهي إلى ذلك محفوفة بإطار خلقي قويم يجعلها محققة للعدل، محافظة على استقرار الحياة، مانعة للتظالم والضغائن، فالتراضي أساسٌ ركين في كلِّ عقد، ومنع كل ما يؤدي إلى المنازعة ويشعر بالغضاضة من الغرر والغش والغبن ونحوهامن اجل الحيلولة دون، ومشروعية الخيار لمن فات عليه شيءٌ من غرضه في المعاملة التي دخل فيها بحيث يكون من حقِّه الردُّ أو الإمساكُ في بعض الأحوال مع أخذ عوض النقص من هذا القبيل ايضا [1] ، كلُّ هذه شواهد ناطقة بعدالة وصدق هذا المنهج، وصلاحيته لحياة البشر.
وشتَّان بين هذا ونظامٍ يقوم على العناية بتعظيم الأرباح من اى طريق وتقديس الذات وعدم الالتفات لأية قيمة خلقية، أو فضيلة بشرية، إلا ما تنزع إليه رغبات أفذاذ يشذون عن القاعدة، فتطمح نفوسهم إلى بعض المعاني الحسنة بغية الشهرة، وكسب الثناء. وطلب الربح في ديننا العظيم أمرٍ مقدَّرٍ محترم، لكن من طريقه الصحيح، ومفهومه يتجاوز ما يقبض عليه المرء بكفِّهِ، ويدخله في خزائنه، إلى آفاقٍ رحيبةٍ، تتضاءل أمامها المكاسب الماديَّة المحسوسة من حوز الثواب، والارتقاء في درج الكمال، ونفع الخلق، فهذا يؤثر غيره على نفسه وعياله، وذاك يتبرَّع بماله كُلِّه، وآخر بتجارة عظيمة يدفع له فيها التجار أضعاف قيمتها فيأباها ابتغاء ما هو أعظم وأبقى عند الله.
إنَّ ضمور هذه المعاني الكريمة، وغلبة الربا، والجشع، والهلع، والطغيان، والتكبر هو أكبر أسباب البلايا والرزايا، ولن يعود للحياة رونقها،
(1) وكذلك كل ما يدعو إلى الرحمة والشفقة بالمحتاج والتيسير مع المعسرين، وإنظارهم والترغيب في الصدقة والرفق بالخلق أجمعين.