المتأمِّل في أسباب الأزمة، وفي نتائجها وتداعياتها، وفي التدابير التي اتخذت عالميًّا لحلِّها يوقن أنَّ العالم لم يستفد شيئًا مما حصل في الاهتمام بالبحث عن علاج حقيقي يداوي الجروح، ويلم الشتات، ويحول دون تكرر هذه النتائج المدمرة التي لا يعلم إلى الآن المدى الحقيقي لتأثيرها على الاقتصاد العالمي برمَّته.
وكل هذه التدابير تنطلق من منطلق محدَّد، وهو أنَّ قاطرة الاقتصاد حصل فيهاعطل في بعض عجلاتها فخرجت عن المسار، فلا بُدَّ من إصلاح هذه العجلات المعطوبة حتى تعاود القاطرة السير في مسارها الأول، لكن ما هو سبب هذا العطل؟ وما هي التدابير التي يجب اتخاذها لتفادي عدم حدوثه مرة أخرى؟
لم يوجد اهتمام صادق لعلاج حقيقى وإنَّما سارعت الدول بضخ كميَّات كبيرة من السيولة في البنوك والمؤسسات المالية والشركات ودعمها قانونيًّا بقبول إشهار إفلاسها حتى تتخلص من مطالبات الدائنين، وستظل المشكلة قائمة، قابلة للانفجار مرة أخرى كلما حان الوقت المناسب لها، والعجب ان ضخ الحكومات الأموال انما هو باتجاه مساعدة المؤسسات المتعثرة، دون الأفراد المتضررين من هذه المؤسسات فهى مساعدة للقوي الذي أخطأ في تصرفاته وتمادى فيها دون نظرٍ إلى الضعفاء الذين كانوا وقودًا لها [1] .
وقد تكرر حدوث هذه الأزمة عدة مرات في القرن الماضي، وكانت حدوثه في كل مرة على نحو أشد من سابقتها، حتى جاءت هذه الأزمة التي أصبحت الأزمات السابقة بالنسبة لها أمرًا يسيرًا لا يكادُ يُذكرُ، وهكذا دواليك. ولو تأملنا ودققنا النظرلتبينا انها إرهاصات لسنَّة الله الكونيَّة التي تتقدم نذرها، فإن لم يرعو الخلق ولم يهتدوا تحققت سنة الله بالتدمير والإهلاك.
يقول الحقُّ تبارك وتعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ *وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا
(1) انظر: د. سامي قنطقجي، ضوابط الاقتصاد الإسلامي في معالجة الأزمات المالية، ص 50.