من التربة والأقذار ويبنيها خانًا، كل ستة بأربعة أرطال زيت لا غير، وأزال المكتري ما فيها وأصلحها فحصلت الرغبة فيها بزائد عن تلك الأجرة، فهل تفسخ الإجارة ويصير النفع للوقف؟ فأجاب:"نعم يفسخ إن وجد حين عقد الإجارة من يستأجرها بزائد عما ذكر، أما إن لم يوجد حين العقد من يستأجرها بزائد عما ذكر فلا تفسخ" (16) .
ونصّ الشافعية على عدم صحة الوقف إذا أجره الناظر بأقل من أجرة المثل لكنه إذا أجر الناظر فزادت الأجرة في المدة، أو ظهر طالب بالزيادة عليها لم ينفسخ العقد على الأصح، قال النووي:"لأن العقد جرى بالغبطة في وقته فأشبه ما لو باع الولي مال الطفل ثم ارتفعت القيمة بالأسواق أو ظهر طالب بالزيادة، والثاني -أي الرأي الثاني للشافعية- ينفسخ العقد، لأنه بان وقوعه بخلاف الغبطة في المستقبل، والثالث: إن كانت الإجارة سنة فما دونها لم يتأثر العقد، وإن كانت أكثر فالزيادة مردودة وبه قطع أبو الفرج الزازفي الأمالي" (17) .
وذهب الحنابلة إلى صحة عقد الإجارة مع كون الأجرة أقل من أجر المثل ولكن الناظر يضمن النقص أي يضمن الفارق بين أجر المثل، والأجر المتفق عليه في العقد قياسًا على الوكيل، لأن الإجارة عقد لازم لا يفسخ بذلك (18) .
والذي يظهر لنا رجحانه هو رأي الجمهور حيث فيه الحماية الكافية لمصالح الوقف، ولخصوصيته، وأن كون القيم يتحمل الفرق قد يؤدي إلى زهد الناس عن التولية لأن ذلك يضرّ به وقد لا يكون متعمدًا فيه، ولذلك فاعتبار العقد مفسوخًا حتى يتم جبر النقص فيه من قبل المستأجر هو أعدل الأمور والله أعلم.
د. عدم لزوم عقد الإجارة في حالتي زيادة المدة، وعدم أجر المثل:
مع أن عقد الإجارة عقد لازم عند جميع الفقهاء (19) ، ولكنه في باب الوقف يعتبر غير لازم في حالة ما إذا كانت مدة الإجارة طويلة أو كانت الأجرة أقل من أجر المثل، وهذه خصوصية أخرى للوقف فبخصوص الإجارة الطويلة نصّ الفقهاء وبالأخص الحنفية والمالكية أن القيم أو القاضي -حسب تفصيل- يستطيع فسخ الإجارة، إن كانت المصلحة في ذلك، أو يعدل العقد إلى إجارة قصيرة أو إلى عقود جارات مترادفة، أو يبطل العقد، فقد ذكر ابن عابدين أن أبا جعفر يقول بإبطال الإجارة الطويلة ولو بعقود، لكن ابن عابدين خصصه بعدم الحاجة (20) ، وعند الشافعية على الأصح لا يصح العقد إذا كان الأجر أقل من أجر المثل -كما سبق (21) .
هـ. المزايدة والزيادة في إجارة الوقف:
إذا أجر الوقف بمبلغ، ثم جاء آخر فزاد عليه بعد تمام العقد، فهل يجوز فسخ العقد السابق والاعتماد على الزيادة؟
للإجابة عن ذلك نقول: إن فيه تفصيلًا على ضوء ما يأتي:
أ ـ أجّره أولًا بمبلغ أقل من أجر المثل ثم جاء آخر فعلى القول بالفسخ يفسخ العقد، ثم يعطى لمن يزيد، وعلى القول بصحة العقد مع عدم لزومه يخيّر المستأجر الأول بين الفسخ، أو الزيادة إلى ما يدفعه الآخر، فإن قبل بها فهو أولى ما دام الآخر لم يزد عليه فإن زاد عليه الأجر فحينئذٍ يتزيدان، ويكون العقار لمن يدفع أكثر ويكون عقد الإجارة منحلًا.
ب. أجّره أولًا بأجر المثل ثم جاء آخر فزاد لم تفسخ الأُولى كما هو الحال فيما لو كان تأجير الوقف لثلاث سنوات، وتغير أجر المثل في السنة الثانية -مثلًا- بحيث ازداد لم يفسخ العقد (22) . وقد ذكر في شرح الرسالة أن ابن عبد السلام ذهب إلى أن عقد إجارة الوقف إن لم يكن فيه غبن بل كان فيه غبطة فلا يفسخ بالمزايدة، وإن كان فيه غبن تقبل الزيادة فيه، ثم ذكر أن أهل تونس استمروا سنين كثيرة على أن يكرى ربع الحبس على قبول الزيادة فيه، ويجعلونه منحلًا من جهة المكري ومنعقدًا من جهة المكتري وهو قول منصوص عليه في المذهب (23) .