الوقف نفسه استثمار؛ لأن الاستثمار -كما سبق- يراد به إضافة أرباح إلى رأس المال لتكون المصاريف من الربح فقط، فيبقى رأس المال محفوظًا بل مضافًا إليه الربح الباقي ليؤدي إلى كفاية الإنسان وغناه. وكذلك الوقف حيث هو خاص بالأموال التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء أصلها، ولذلك فالأشياء التي لا يمكن الانتفاع بها إلاّ باستهلاكها (مثل الطعام) لا يجوز وقفها (1) .
على ضوء ذلك فإن الوقف في حقيقته استثمار، حيث إن صاحبه يريد أن يقف ماله في سبيل أن يحصد نتاجه يوم القيامة، ومن حيث الحفاظ على الأصل، ويكون الاستهلاك للناتج والثمرة والربح والريع، فالأعيان الموقوفة إمّا أن تنتج منها الثمار كما هو الحال في وقف الأشجار والبساتين المثمرة، أو تنتج منها منفعة وأجرة كما هو الحال بالنسبة للأعيان المستأجرة، أو ينتج منها ربح وريع كما هو الحال بالنسبة لوقف النقود.
وقد جاء في"فتح القدير"عند تعليقه على ورود كتاب الوقف بعد الشركة:"مناسبته بالشركة أن كلًا منهما يراد لاستبقاء الأصل مع الانتفاع بالزيادة عليه" (2) .
استثمار موارد الوقف وطرقه:
لا شك في أن استثمار أموال الوقف يؤدي للحفاظ عليها حتى لا تأكلها النفقات والمصاريف، ويساهم في تحقيق أهداف الوقف الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، والتنموية، فما أكثر مصائب هذه الأمة في هذا العصر، وما أكثر حاجياتها إلى الأموال لتحسين أحوالها الاجتماعية المتخلفة من خلال استثمار الأموال عن طريق التسويق والتصنيع والإنتاج.
إضافة إلى ذلك فإن الوقف الذي يراد له الاستمرار، ومن مقاصده التأبيد، لا يمكن أن يتحقق ذلك إلاّ من خلال الاستثمارات الناجحة، وإلاّ فالمصاريف والنفقات والصيانة قد تقضي على أصل الوقف إن لم تعالج عن طريق الاستثمار المجدي النافع. لذلك ينبغي أن تهتم إدارة الوقف (أو الناظر) بهذا الجانب اهتمامًا كبيرًا وتخصص جزءًا جيدًا من ريع الوقف للاستثمار إضافة إلى استثمار بقية أموالها السائلة.
ونحن في هذا البحث نذكر أهم الطرق القديمة للاستثمار مع الطرق المعاصرة بقدر الإمكان، وهي:
الطريقة الأولى: الإجارة
وقد ذكر الفقهاء عدة أنواع من الإجارة في باب الوقف:
1 -الإجارة: وقد كانت أهمها وأكثرها شيوعًا، بل كاد الفقهاء أن يربطوا بينها وبين جواز بعض أنواع الوقف. فقد علل الفقهاء الذين منعوا وقف الدراهم والدنانير بأنه لا يجوز إجارتهما، ولا يمكن الانتفاع بهما إلاّ بالإتلاف، وعلل الذين أجازوا وقفهما بأنه يجوز إجارتهما، قال ابن قدامة:"وما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدنانير والدراهم ... لا يصح وقفه في قول عامة الفقهاء وأهل العلم ... وقيل: في الدراهم والدنانير يصح وقفه على قول من أجاز إجارته، وأما الحليّ فيصح وقفه للبس والعارية ..." (3) .
ولذلك حين أفتى محمد بن عبد الله الأنصاري (صاحب زفر) بجواز وقف الدراهم والدنانير والمكيل والموزون استغرب الفقهاء فسألوه: ماذا يفعل بوقف هذه الأشياء، والوقف تحبيس الأصل والانتفاع بالمنفعة، فأين منفعتها؟ فقال: تدفعون الدراهم والدنانير للمضاربة ثم تتصدقون بربحهما، وتتصدقون بالربح (4) . وذكر بعض الفقهاء أن منفعة الدراهم والدنانير في الوقف هي أن تقرض للفقراء، ثم تقضي منهم، ثم تدفع لآخرين (5) .
وإجارة الموقوف والانتفاع بإجارته محل اتفاق بين الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في بعض التفاصيل من حيث مدة الإجارة وأجر المثل.
أ. مدة الإجارة: يرى الحنفية أن تكون مدة الإجارة من الوقف لا تزيد عن سنة في الدار، وثلاث سنوات في الأرض الزراعية، وأن الفتوى عندهم على إبطال الإجارة الطويلة من حيث الزمن، وذلك لإمكان أن يتضرر الوقف بطول الزمن، بل قد يؤدي إلى إبطال الوقف، إلاّ إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك لحاجة عمارة الوقف بتعجيل أجرته سنين مقبلة، وحينئذٍ يجب أن