قصد تخريبه .. لتطور تطورًا كبيرًا، وقام بخدمات جليلة أكثر مما قدمه على مرّ التاريخ الإسلامي.
لذلك يجب علينا حينما نتحدث عن الوقف أن نوجه كل طاقتنا وإمكانياتنا لتطوير هذه المؤسسة في كل المجالات، وقد استفاد الغرب من فكرة الوقف كمؤسسة في شتى مجالات الحياة، وبالأخص في مجالات التعليم والأبحاث؛ فمعظم المراكز العلمية والكليات والجامعات لها أوقافها الخاصة للاستمرارية مع كل هذا الدعم الهائل من حكوماتها.
لا شك أن الوقف إما أن يكون لصالح شخص وذريته، أو نحو ذلك مما يسمى في الفقه الإسلامي بالوقف الأهلي أو الذري؛ فهذا له طابعه الخاص، وتكون إدارته في إطار الشخص الموقوف عليه، أو ذريته فيما بعد، حسب تفصيل لا يهم موضوع البحث.
وأما أن يكون الوقف على جهة خيرية، مثل: الوقف على المساجد، أو المدارس، أو الفقراء أو المساكين، أو الأرامل، أو اليتامى أو لمدرسة خاصة، أو لمؤسسة علمية خاصة بدراسة علم معين، أو ابتكار معين.
وهذا النوع الثاني هو الذي نتحدث عنه؛ حيث يرد سؤال: هل هذه الجهات لو اجتمعت كلها أو بعضها تحت إشراف مؤسسة يكون لكل واحدة منها ذمة مستقلة، وتعمل على أساس شخصيتها المستقلة، فلا يجوز التداخل بين حقوقها والتزاماتها وبين حقوق والتزامات جهة أخرى أم أنه ينظر إلى كلّ هذه الجهات كذمة واحدة، وحينئذ يحمل بعضها عن بعض؟
للجواب عن ذلك نقول: إن الأصل والمبدأ العام والقاعدة الأساسية هو الحفاظ على خصوصية كل وقف وكل جهة وإن كانت تحت إشراف إدارة واحدة؛ وذلك لضرورة مراعاة أن يكون ريع الوقف لنفس الجهة التي وقف عليها الواقف، قال البهوتي:"ويتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة" (8) . وكذلك الأمر في حالة الالتزامات، والتعمير والبناء، وذلك من خلال ترتيب هذه الجهات كصناديق خاصة لها ذمتها المالية المستقلة بقدر الإمكان.
هذا هو الأصل ما دام ذلك ممكنًا ولم يكن هناك ما يعارضه ويدل عليه الأدلة المعتبرة على ضرورة الحفاظ على الوفاء بالعقود والشروط إلا الشروط التي تكون مخالفة للكتاب والسنة، أو لا تحقق الغرض المنشود من الوقف، قال القرافي:"ويجب اتباع شروط الوقف ... ؛ لأنه ماله، ولم يأذن في صرفه إلاّ على وجه مخصوص، والأصل في الأموال العصمة ..." (9) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والمقصود إجراء الوقف على الشروط التي يقصدها الواقف، ولهذا قال الفقهاء: إن نصوصه كنصوص الشارع يعني في الفهم والدلالة فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة كما يفهم مقصود الشارع" (10) .
ومع هذا الأصل العام فإن الذي يظهر راجحًا هو جواز التصرف في جميع الأموال المرصودة لجهة واحدة، كالمساجد مثلًا حيث لا بدّ أن ينظر إلى جميع موقوفات المساجد الواقعة تحت إدارة الوقف كذمة واحدة حسب المصلحة الراجحة، ولكن مع تقديم مصالح الموقوف عليه من وقفه الخاص به على غيره، وإذا فضل، أو اقتضت المصلحة غير ذلك صرف منه إلى بقية الموقوف عليه من نفس الجهة وهكذا الأمر في الوقف على جهة الفقراء، أو المدارس، أو نحوها.
ولكن يرد سؤال آخر وهو: هل يمكن أن ينظر إلى جهات الخير كلها كأنها جهة واحدة يصرف من ريعها على الجميع حسب أولوية المصالح؟
فقد أفتى فقهاء المالكية بذلك حيث جاء في نوازل العلمي: (الأحباس كلها -إذا كانت لله- بعضها من بعض، وذلك مقتضى فتوى أبي محمد العبدوسي) ، كما نقل فتاوى بهذا الشأن للبرزلي وابن ماجشون وغيرهما (11) ، وجاء فيهما أيضًا:"قال أصبغ وابن ماجشون: إن ما يقصد به وجه الله يجوز أن ينتفع ببعضه من بعض، وروى أصبغ عن أبي القاسم مثل ذلك في مقبرة قد عفت فيبني قوم عليها مسجدًا: لم أرَ به بأسًا، قال: وكذلك ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه"