تكون في عقود مترادفة متكررة كلّ سنة. جاء في الفتاوى الهندية:"إذا أجر الواقف أكثر من سنة لا يجوز، وإن لم يشترط فالمختار أن يقضي بالجواز في الضياع في ثلاث سنين إلاّ إذا كانت المصلحة في عدم الجواز. وفي غير الضياع يقضي بعدم الجواز إذا زاد على السنة الواحدة إلاّ إذا كانت المصلحة في الجواز، وهذا شيء يختلف باختلاف المواضع والزمان كذا في السراجية وهو المختار للفتوى" (6) .
هذا إذا لم يكن الواقف قد اشترط مدة محددة فإن كان قد اشترط ألا يؤجرها المتولي أكثر من سنة فيجب الالتزام بهذا الشرط ولا يجوز مخالفته إلاّ بحكم القاضي، لكن قاضي خان أفتى بجواز مخالفة هذا الشرط إذا كانت أنفع للفقراء والمستحقين، ولا يحتاج إلى المرافعة إلى القاضي (7) .
ويتفق المالكية مع الحنفية في وجوب النظر إلى ما هو الأصلح للوقف من حيث المدة لكنهم وسعوا دائرة مدة الإجارة، وفرقوا بين ما إذا كان الوقف على معينيين، وناظر الوقف من الموقوف عليهم، والموقوف دارًا والمستأجر ليس ممن ترجع إليه الدار فلا يجوز لهذا الناظر أن يؤجر الدار لأكثر من سنة، وإن كانت أرضًا زراعية فلا يجوز له أن يؤجرها لأكثر من ثلاث سنوات، وعلة ذلك أن الإجارة تتفسخ بموته، وأجاز جماعة من فقهائهم تأجير العقار الموقوف فترة طويلة إذا لم يكن على معينيين (8) .
ب. المدة الطويلة مقابل الإصلاح:
أما إذا كان الوقف خربًا وتعذرت أو تعسرت إعادته من غلته أو من كرائه فقد أفتى جماعة من علماء المالكية منهم القاضي ابن باديس والناظر اللقاني، والأجهوري وأتباعه بتأجيره مدة طويلة لمن يعمره بالبناء، ويكون البناء ملكًا للباني ويدفع نظير الأرض حكرًا (مبلغًا) يدفع للمستحقين، ويسمى هذا التصرف خلوًا (9) ، وجاء في شرح الخرشي أن القاضي ابن باديس قد أفتى بكرائها السنين الكثيرة، كيف تيسر، واشترط إصلاحها من كرائها (10) ، قال العدوي: أي أكثر من أربعين عامًا (11) ، وجاء قريب من هذه الأحكام في المذهب الحنفي (12) .
ولم يتطرق الشافعية والحنابلة -حسب علمي- إلى مسألة طول المدة في إجارة الوقف، لأنهم تركوا ذلك لأحكام الإجارة.
ج. أجر المثل في الإجارة:
اشترط جماعة من الفقهاء -منهم الحنفية والمالكية والشافعية- أن يكون تأجير الموقوف بما لا يقل عن أجر المثل، فلا يجوز تأجيره بغبن فاحش، وأما الغبن اليسير (وهو ما يتغابن الناس فيه، أو ما لا يعدونه غبنًا) ، فلا يؤثر فإذا أجر بأقل من أجر المثل، فللقيّم على الوقف الفسخ، ولو زاد الأجرة بعد العقد إلى أجر المثل يجدد العقد بالأجرة الزائدة، قال ابن عابدين:"والظاهر أن قبول المستأجر الزيادة يكفي عن تجديد العقد، وأن المستأجر الأول أولى من غيره إذا قبل الزيادة" (13) .
جاء في الفتاوى الهندية:"ولا تجوز إجارة الوقف إلاّ بأجر المثل كذا في محيط السرخسي، ولكن العبرة في ذلك ببداية العقد فقد نصوا على أنه لو استأجر رجل أرض وقف ثلاث سنين بأجرة المثل، فلما دخلت السنة الثانية كثرت الرغبات وازدادت أجرة الأرض فليس للمتولي أن ينتقص الإجارة لنقصان أجر المثل" (14) .
وقد اختار متأخرو الحنفية أنه لو قام المتولي بتأجير الوقف بأقل من أجر المثل فسكنها المستأجر كان عليه أجر المثل بالغًا ما بلغ، وعلى ضوء ذلك يعدل العقد وإن لم يرض به المستأجر (15) .
ويظهر من ذلك أن العقد الذي تمّ بأقل من أجر المثل إما هو باطل، أو غير لازم بحيث يفسخه القاضي أو القيّم، أو يعدله إلى أجر المثل، أو يبطل.
وقد استفتى الشيخ عليش المالكي في أرض موقوفة طرح الناس فيها أتربة وأقذارًا حتى صارت تلاًّ لا ينتفع به في الحال، فأجرها نائب القاضي تسعة وتسعين سنة لمن ينقل منها ما فيها