الصفحة 2 من 18

الشجر، وإلى الشيء فيراد بها فائدته، وإلى القلب فيراد بها مودته وجمع الثمرة: ثَمَر -بفتح الثاء والميم- وثُمر -بضمهما- ثمار وأثمار (1) .

وقد وردت كلمة: أثمر، وثمرة، وثمرات، أربعًا وعشرين مرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآَيَاتٍ لَّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام: 99) ، أي انظروا إلى ثمار تلك الأشجار والنباتات، ونضجها للوصول إلى الإيمان الكامل بالله تعالى، حيث يحمل ذلك عجائب قدرته، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام: 141) ، حيث امتن الله تعالى علينا بالثمار وأمرنا أن نأكل من ثمار هذه الأشجار والنباتات عندما تثمر وتنتج، وأن نعطي حقها (وهو الزكاة) عند حصادها للمستحقين، كما أمرنا بألا نسرف في الباقي وهذا يدل على أن حق الملكية ليس حقًا مطلقًا، بل مقيد بضوابط الشرع.

وفي هذه الآية وآيات أخرى أسند الله تعالى الإثمار إلى الشجر والنبات نفسيهما مما يدل على أهمية العناية بالسنن والأسباب الظاهرة التي لها تأثير على النمو والثمر والنضج مع أن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى، ولذلك أكد هذه الحقيقة في آيات أخرى فقال: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ} (البقرة: 22) ، وقوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (البقرة: 126) .

ويلاحظ أن القرآن الكريم أطلق (في الغالب) الثمر أو الثمرة، أو الثمرات على ما تنتجه الأشجار والنباتات مثل قوله تعالى: {وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} (البقرة: 155) ، ولم يطلق على ما تنتجه التجارة من أرباح إلا إذا عَمَّمْنا المراد بقوله تعالى: {أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} (القصص: 57) .

وقد وردت هذه الكلمة أيضًا في السُّنة كثيرًا وهي لا تعدو معانيها عن ثمار الأشجار والنباتات، منها قوله -صلى الله عليه وسلم-:"نهى عن بيع الثمر حتى يزهو" (متفق عليه، انظر صحيح البخاري مع الفتح، كتاب البيوع: 4/ 398، ومسلم، كتاب المساقاة: 3/ 1190) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-:"اللهم ارزقنا من ثمرات الأرض" (مسند أحمد: 3/ 342) ، وغير ذلك.

الاستثمار في الاصطلاح:

ورد لفظ"التثمير"في عُرف الفقهاء عندما تحدثوا عن السفيه والرشيد فقالوا: الرشيد هو القادر على تثمير أمواله وإصلاحه، والسفيه هو غير ذلك، قال الإمام مالك:"الرشد: تثمير المال، وإصلاحه فقط" (2) ، وأرادوا بالتثمير ما نعني بالاستثمار اليوم.

وأما لفظ الاستثمار فلم يرد في كتب اللغة بمعناه الاقتصادي، ولذلك في معجم الوسيط: الاستثمار: استخدام الأموال في الإنتاج إما مباشرة بشراء الآلات، وإما بطريقة غير مباشرة كشراء الأسهم والسندات ثم وضع رمز (مج) الذي يدل على أن هذا المعنى هو من وضع مجمع اللغة (3) .

حكم الاستثمار:

الذي يظهر من النصوص الشرعية ومقاصدها العامة أن الاستثمار مباح ومشروع بأصله على مستوى الفرد .. بل نستطيع القول بأنه ترد عليه الأحكام التكليفية من حيث عوارضه ووسائله لكنه -من حيث المبدأ- واجب كفائي على الأمة في مجموعهم، أي أنه لا يجوز للأمة أن تترك الاستثمار.

ذلك لأن النصوص الشرعية متضافرة في أهمية المال في حياة الفرد والأمة، وتقديم المال على النفس في جميع الآيات التي ذكر فيها الجهاد والأموال والأنفس إلا في آية واحدة في سورة التوبة - الآية الحادية عشرة بعد المائة، حيث قدمت الأنفس؛ لأنها تتحدث عن الشراء، وامتنان الله تعالى بالمال، والمساواة بين المجاهدين، والساعين في سبيل الرزق كما في آخر سورة المزمل، وتسمية العامل والتاجر بالمجاهد في سبيل الله في أحاديث كثيرة ... كل ذلك يدل بوضوح على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت