وجوب العناية بالمال وتثميره وتقويته حتى تكون الأمة قادرة على الجهاد والبناء والمعرفة والتقدم والتطور والنهضة والحضارة، حيث إن ذلك لا يتحقق إلا بالمال كما يقول تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارزقوهم فيها} (النساء: 5) .
فقد سمى الله تعالى المال بأنه قيام للمجتمع الإسلامي، وهذا يعني أن المجتمع لا يقوم إلا به ولا يتحرك ولا ينهض إلا به، كما أن قوله تعالى: {وارزقوهم فيها} ، ولم يقل (منها) يدل بوضوح على وجوب الاستثمار حتى تكون نفقة هؤلاء المحجور عليهم (من الأطفال والمجانين) في الأرباح المتحققة من الاستثمار وليست من رأس المال نفسه.
يقول الإمام الرازي:"اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال، قال تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (الإسراء: 26 - 27) ، وقال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} (الإسراء:29) ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} (الفرقان:67) ."
وقد رغب الله تعالى في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن، والعقل يؤيد ذلك؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، ثم قال: وإنما قال (فيها) ولم يقل (منها) لئلا يكون ذلك أمرًا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقًا، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانًا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح، لا من أصول الأموال ..." (4) ."
ومن الأدلة المعتبرة على ذلك أن وجوب الزكاة في الأموال يدفع أصحابها إلى التجارة؛ لأنهم إن لم يتاجروا فيها تأكلها الصدقة والنفقة، وهذا ما يؤيده الفكر الاقتصادي الحديث، حيث يفرض أنواعًا من الضرائب لدفع أصحاب الأموال إلى عدم اكتنازها، بل قد وردت أحاديث تصل بمجموعها إلى درجة الصحيح أو الحسن الذي ينهض به حجة على وجوب التجارة في أموال الصغار (اليتامى وغيرهم) والمحجور عليهم (السفهاء والمجانين وناقصي الأهلية) ، فقد روى الشافعي بإسناده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ابتغوا في مال اليتيم -أو في أموال اليتامى- لا تذهبها -لا تستهلكها- الصدقة". وقال البيهقي والنووي في هذا الحديث:"إسناده صحيح، ولكنه مرسل معضد بعموم النصوص الأخرى وبما صحّ عن الصحابة من إيجاب الزكاة في مال اليتيم" (5) .
قال البيهقي:"وهذا -أي حديث ابن ماهك- مرسل إلا أن الشافعي -رحمه الله- أكده بالاستبدال بالخبر الأول -وهو عموم الحديث الصحيح في إيجاب الزكاة مطلقًا- وبما روي عن الصحابة في ذلك" (6) .
وقال النووي:"ورواه البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفًا عليه بلفظ:"وابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة"وقال إسناده صحيح، ورواه أيضًا علي بن مطرف" (7) .
وروى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة"، قال الهيثمي في مجمع الزوائد نقلًا عن شيخه الحافظ العراقي:"إن إسناده صحيح" (8) .
يقول الشيخ القرضاوي:"إن الأحاديث والآثار قد نبهت الأوصياء على وجوب تثمير أموال اليتامى حتى لا تلتهمها الزكاة ..."فواجب على القائمين بأمر اليتامى أن ينموا أموالهم كما يجب عليهم أن يخرجوا الزكاة عنها، نعم إن في هذين الحديثين (أي حديث عمرو بن شعيب المرفوع وحديث يوسف بن ماهك) ضعفًا من جهة السند، أو الاتصال ولكن يقويهما عدة أمور، وذكر منها:"أنه يوافق منهج الإسلام العام في اقتصاده القائم على إيجاب التثمير وتحريم الكنز" (9) .
وكذلك يدل على تثمير الأموال قوله تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (الحشر: 7) ، حيث إن الأموال لا تتداول إلا عن طريق توزيع الصدقات، والاستثمار الذي يؤدي إلى أن يستفيد منها الجميع من العمال والصنّاع والتجّار ونحوهم. وكذلك قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا