وكذلك أيضًا مما يعرف الإنسان فيه أن ينظر في تقلبات الكون وتغيراته, وسير الأمم السابقة وما حصل لهم من تغير وعاقبة ونتائج, الله عز وجل يأمر كثيرًا في كتابه العظيم بالنظر إلى عواقب الأمم, قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام:11] ، فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [النمل:69] , الله سبحانه وتعالى يأمر العباد أن ينظروا وأن يتفقدوا أحوال عاقبة أولئك الذين عاقبهم الله جل وعلا, تورث الإنسان معرفة بشدة في عقاب الله عز وجل وانتقامه, وأن الله عز وجل يرى الظالم ويرى الباغي, وتركه له إمهال وليس إهمالًا, وأنه وإن تعدى على الله فالله عز وجل يريد من ذلك إمهالًا لعبده, ويأخذه بذلك بمقدار يجعله الله سبحانه وتعالى له أجلًا معلومًا لا يجاوزه إياه, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) , والظلم بجميع أنواعه, منه ما يتعلق بظلم البشر الناس فيما بينهم, ومنه ما يتعلق بظلم الإنسان لنفسه, وأعظم من ذلك الشرك, والكفر بالله سبحانه وتعالى, يجعل الله عز وجل لذلك قدرًا, ثم يأخذه الله عز وجل بحساب, والحساب في ذلك هو إلى الله وليس إلى البشر, فهو إلى الله عز وجل تقديره وتقدير عقابه بمقدار علم الإنسان بظلمه, وبمقدار حجم الظلم المعلوم الذي ينزله الإنسان، أو يصدر من الإنسان يكون في ذلك العقاب, ولهذا قد يعاقب الله عز وجل صاحب الظلم العظيم بعقاب يسير, ويعاقب الله عز وجل صاحب الظلم اليسير بعقاب عظيم؛ والسبب في ذلك أن الله عز وجل يعاقب عبده بمقدار علم العبد بالظلم, فإذا كان جاهلًا غافلًا أو لديه شطر العلم فيكون لديه شطر الظلم الذي لديه فيعاقبه الله عز وجل على الشطر, وهذا من الحكم في أن الله سبحانه وتعالى يعاقب أقوامًا على ظلم, ويمهل أقوامًا على ظلم أعظم من ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعاقب