ومن قال إنها محمولة على القيام على الملوك وهم قعود وما أشبه ذلك فقد أبعد النجعة وخالف ما دلت عليه هذه الأحاديث من النهي عن القيام للداخل ونحوه على وجه التعظيم والأحترام. ـ ثم ساق كلامًا لابن القيم رحمه الله تعالى إلى أن قال ـ: إذا علم هذا فالقيام على ثلاثة أقسام: أحدهاالقيام للرجل وهو قاعد كما يفعله الشرط وغيرهم من أعوان الملوك مع الملوك وهذا هو الذي ورد النهي عنه في حديث جابر رضي الله عنه الذي تقدم ذكره ولا أعلم نزاعًا في كراهته والمنع منه.
ويستثنى من هذا: مسألة واحدة وهي: ما إذا قدم على الإمام رسل من الأعداء وخيف منهم أن يغدروا به فلا بأس أن يقوم بعض أعوانه على رأسه بالسلاح كما فعل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في صلح الحديبية كان قائما بالسلاح على رأس النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه رسل قريش والحديث في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وغيرهما. القسم الثاني: القيام للدخول ونحوه إعظاما له واحترامًا لالقصد المعانقة أو المصافحة وفي كراهة هذا والمنع منه: نزاع بين العلماء والصحيح المنع منه لما تقدم عن أبي أمامة وأنس ومعاوية رضي الله عنهم في ذلك وأحاديثهم وإن كانت واردة في هذا القسم فعمومها يشمل القسم الأول أيضًا لأن كلًا منهما من أفعال الأعاجم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [من تشبه بقوم فهو منهم] وفي الحديث الآخر: [ليس منا من تشبه بغيرنا] . وقد فرق العلماء بين القيام لأهل الفضل والفقه وبين القيام لغيرهم فأجازوه لأهل الخير ومنعوه لغيرهم وهذا تفريق لا دليل عليه وقد تقدم: رد ما قاله النووي في ذلك. وقال إسحاق بن إبراهيم: خرج أبو عبدالله على قوم في المسجد فقاموا له فقال: لاتقوموا لأحد فإنه مكروه وقال أحمد أيضًا: في رواية مثنى: لايقوم أحد لأحد. وقال حنبل قلت لعمي: ترى للرجل أن يقوم للرجل إذا رآه؟ قال: لايقوم أحدٌ لأحد إلا الولد لوالده أو أمه فأما لغير الوالدين فلا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وظاهر هذه الروايات: أنه لا فرق بين القيام لأهل الفقه والدين وبين القيام لغيرهم وقد روى عن الإمام مالك نحو هذا قال ابن القاسم في المدونة قيل لمالك: الرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك ولابأس أن يوسع له في مجلسه قال قيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا فليس هذا من فعل الإسلام. وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري: محصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس ولو كان في شغل نفسه فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها فتلقاه وتنزع ثيابه وتقف حتى يجلس؟ فقال: أما التلقي فلا بأس به وأما القيام حتى يجلس فلا فإنه من فعل الجبابرة وقد أنكره عمر بن عبد العزيز .... . انتهى. قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى أبو بكر والقاضي ومن تبعهما: فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى والتفريق في مثل هذا بالصفات فيه نظر. قال: وأما أحمد فمنع منه مطلقًا لغير الوالدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأئمة ولم