كتاب الفنون الذي ألفه في نحو أربعمائة مجلد وغيره من التصانيف، قال في الكتاب المذكور: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بتركهم أمر الشرع، وأخذهم دينهم بالهوى ومتابعة النفس والشيطان.
والشيخ -رحمه الله- قد ذكر للإسلام والتوحيد شهادة أن لا إله إلا الله أربع آيات من كتاب الله هن له كالقواعد حيث لا يوجد له ولا ثبات إلا بها، وهن أم المسائل التوحيدية وأصلها، حيث إن المسائل تتولد منها وتنتج وتتفرع منها تفرع الأغصان من أصل الشجرة.
قلت: فكما أن الأغصان تتقارب ضعفًا وقوة، كذلك التوحيد في قلب المسلم والمؤمن والمحسن، فتأمل. لكن الآيات المذكورات في ترقي مراتبها كأربع درجات ما لم ترق الأولى لم ترق الثانية، وما لم ترق الثانية لم ترق الثالثة، وما لم ترق الثالثة لم ترق الرابعة، والآية الأولى قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} . [الإسراء: 56- 57] .
اعلم أن هذه الآية اشتملت على ثلاث فوائد يلزمك أن تؤمن بها وتعمل بمقتضاها وتنبذ من خالفها وتحاربه.
الأولى: أن ما سوى الله مطلقًا لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا.
الثانية: أن ما سواه عبيد وتحت قهره وتصريفه، ويبتغون إليه