-وفيه أنه ليس من التهلكة أن يرسل القائد العدد القليل لحرب الجيش الكبير إذا كان ما أرسله غاية جهده ويثق في نصر الله وحفظه، فمن المعلوم أن عيرًا بها أبو جهل هي من الكبر وحسن الحراسة والتسليح بمكان، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقدّر قوة العدو، ومحال أن يُظن في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ذلك، وهو الموصوف من ربه بالخبرة العسكرية الفائقة وحسن الترتيب، فقال سبحانه: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
[آل عمران:121] .
-وفيه حكمة النبي - صلى الله عليه وسلم - في اختيار جنود الغزوة؛ فإنه اختار للغزوة من يحملون بغضًا عظيمًا على المشركين بسبب اضطرارهم لترك الأهل والمال والوطن، كما إنهم الأعلم بأقرانهم من أهل مكة، وكذلك فيه من دواعي الثبات في القتال، لأنهم كانوا يستحيون من بعضهم فلا يفرون ممن يعرفونهم.
-وفيه أنه اختار التوقيت الزمني المناسب على كل الأصعدة؛ فالعير أقبلت تحمل البضائع الكثيرة، وفيها كل ما يملكون من مال، كما أرهقهم طول السفر وبعدهم عن الزوج والولد، مما يجعلهم يجدّون السير ويغفلون أو يتساهلون عن كثير من الاحتياطات الأمنية اللازمة؛ كطريق أطول ولكن آمن، أو انتظار العيون قبل السير في كل مرحلة، وكذلك كان التوقيت مناسبًا لجند النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث الجو معتدل وربيع، ولا يؤثر عليهم طول المسافة في حرّ الصحراء، ويستطيعون السير نهارًا وليلًا، وأينما حلّوا كان مقامهم مناسبًا فلا حرّ ولا برد يؤذيهم.
-وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختار لأول سراياه عمه وأحبّ الناس إليه، وحتى لا يقول المنافقون أنه أرسل هذا العدد البسيط لمسافة طويلة في قلب الصحراء غير عابئ بهم، وأنه اختار لأول سراياه من هو في شهرته شجاعة وإقدامًا وحكمة ورأيًا، وذلك أدعى لثبات المقاتلين في أول سرية وأول لقاء.