وهذه المهمة الحساسة والإنسانية الخطرة كانت دائمًا موضع اهتمام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويؤمّر عليها خيرة أصحابه؛ ففي حادثة الإفك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صاحب الساقة صفوان رضي الله عنه، كما في الصحيحين -وهو الحديث المتقدم-: (وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا) .
وفي صحيح مسلم (1780) في غزوة الفتح كان على المهمة أمين الأمة؛ فعن أبي هريرة: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْفَتْحِ فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي) .
قال النووي في شرح مسلم (12/ 132) : ("الْبَيَاذِقَة"بباء موحدة ثم مثناة تحت وبذال معجمة وقاف، وَهُمْ الرَّجَّالَة، قَالُوا: وَهُوَ فَارِسِيّ مُعَرَّب، وَأَصْله بِالْفَارِسِيَّةِ: أَصْحَاب رِكَاب الْمَلِك وَمَنْ يَتَصَرَّف فِي أُمُوره، قِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِخِفَّتِهِمْ وَسُرْعَة حَرَكَتهمْ، هَكَذَا الرِّوَايَة فِي هَذَا الْحَرْف هُنَا وَفِي غَيْر مُسْلِم أَيْضًا، قَالَ الْقَاضِي: هَكَذَا رِوَايَتنَا فِيهِ، قَالَ: وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات"السَّاقَة"، وَهُمْ الَّذِينَ يَكُونُونَ آخِر الْعَسْكَر، وَقَدْ يُجْمَع بَيْنه وَبَيْن الْبَيَاذِقَة بِأَنَّهُمْ رَجَّالَة وَسَاقَة) .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شدة رحمته وتواضعه وشجاعته هو بنفسه من يتولى هذه المهمة خاصة إذا قفلوا من الغزو حيث خطورة الطلب وتعب الجيش مع سرعة السير شوقًا إلى الأهل والبلد.