-وفيها وجوب السرية والكتمان في العمل العسكري إذا خشي على الناس من ظهوره، فيحتمل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعل ما فعل خشية أن تنفضح وجهة السرية ويطير خبرها إلى العدو فيهلكوا، وخاصة إن وجهتها في عمق أرضهم وديارهم فاحتاط النبي - صلى الله عليه وسلم - لجنوده من أنفسهم. ويقوي ذلك إذا علمنا متى أخبرهم ومتى انطلقوا من المدينة، قال الواقدي (ص14) : (قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ: دَعَانِي رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ صَلّى الْعِشَاءَ فَقَالَ وَافِ مَعَ الصّبْحِ مَعَك سِلَاحُك; أَبْعَثُك وَجْهًا) فأبلغه ليلًا وأرسله فجرًا، بل نعلم من سياق القصة أن الأمير كان لا يعلم حتى لحظة الانطلاق من سيكون معه في هذه المهمة، ومن باب أولى ولا حتى الجنود كانوا يعلمون من معهم ومن هو أميرهم ولا هي المهمة التي سيكلفون بها؛ فقد قال رضي الله عنه كما عند الواقدي (ص14) : (قَالَ فَوَافَيْت الصّبْحَ وَعَلَيّ سَيْفِي وَقَوْسِي وَجَعْبَتِي وَمَعِي دَرَقَتِي، فَصَلّى النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بِالنّاسِ الصّبْحَ ثُمّ انْصَرَفَ فَيَجِدُنِي قَدْ سَبَقْته وَاقِفًا عِنْدَ بَابِهِ وَأَجِدُ نَفَرًا مَعِي مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُبَيّ بْنَ كَعْبٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَأَمّرَهُ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَتَبَ كِتَابًا، ثُمّ دَعَانِي فَأَعْطَانِي صَحِيفَةً مِنْ أَدِيمٍ خَوْلَانِيّ فَقَالَ قَدْ اسْتَعْمَلْتُك عَلَى هَؤُلَاءِ النّفَرِ) ومع أن الجنود اختيروا بعناية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدع للخطأ طريقًا.