وفي قراءة للسبب الباعث على فتح الكتاب بعد يومين وعدم إكراه أحد على الغزو فإنّا -والله أعلم- نحسبه احتياطًا أمنيًا، فلو افترض أن أحدًا منهم رفض الذهاب وعاد فسوف يحتاج كذلك في أحسن الأحوال إلى يومين؛ بمعنى أن فريق العمل يكون قد قطع من الطريق أربعة أيام، فلو فرض أن أحد العائدين أفشى سرّ السرية والتقطها أحد الكفار الموجودين في ذلك الحين بكثرة في المدينة أو أحد المنافقين فلا يمكن أبدًا أن يدرك السرية مهما كانت سرعته إلا بعد وصولهم والانتهاء من مهمتهم الخاطفة وبداية العودة الآمنة.
وتالله وبالله لا تكون هكذا دقة وسرية في عمل إلا ويكون لها من التوفيق نصيب إلا أن يشاء ربي شيئًا، وللأسف فقد قرأت أن هذا الحدّ من السرية يستعمله الكفار اليوم في المهمات الخاصة جدًا، ونحن نضحي بأنفسنا وإخواننا اليوم بدعوى حفظ الله دون الأخذ بالسبب وهو دين.
-وفيها أهمية العمل النوعي، وأن الأمير يستحب أن يشرف بنفسه على ترتيب أمور جنوده من خط سير الغزوة إلى اختيار الجنود إلى طريق السير إلى مكان العملية وغير ذلك.
-وفيه أن الأمير ينبغي له أن يكون القدوة في السمع والطاعة والمسابقة إلى الخيرات والجود والجرأة، وهو عين ما كان في أمير السرية باستجابته لما في الكتاب.
-وفيها ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من جرأة كبيرة إلى حدّ التوغل بأرض العدو مع قلة في العدد والعدة، وفيه كمال الانقياد وخفة الحركة وسرعة الجاهزية العسكرية.
-وفيها استحباب أن يقول الجندي لأميره إذا كلفه بأمر"سمعًا وطاعة"فإن هذا من تمام الأدب، ويشعر الأمير بالفرح لقوة روح الجندية بين أفراده.
-وفيها أن المهام الخطرة يستحب أن تكون الجندية فيها اختيارية لا إجبارية.
-وفيها أن الأمير يعظ إخوانه ويحرضهم على الشهادة قبل العمل، وخاصة الجهاد.