"على كل حال قد يكون انتقادنا للأتراك فظا وغير لائق .. ولكن ليس فيه أي تحامل ، ولا هو خارج عن الموضوع . إذ ما الذي سيكسبه التراث الحضاري في حالة عدم ذهاب جهود الأتراك سدى ؟ أي في حالة نجاحهم - فرضا - النجاح المرجو ؟؟ وهذه النقطة تكشف حركة"المقلدين"عن نقطتي ضعفها الأصيلتين فيها:"
"أولاهما: أن الحركة المقلدة متبعة وليست مخترعة مبتدعة ، لذا ففي حالة نجاحها - جدلا - لن تزيد إلا في كمية المصنوعات التي تنتجها الآلة في المجتمعات المقلَّدة ، بدل أن تطلق شيئا من الطاقة المبدعة في النفس البشرية ."
"ثانيهما: أنه في حالة النجاح الباهت - المفترض - هذا ، وهو أقصى ما يمكن"للمقلدين"الوصول إليه ، سيكون هناك خلاص - مجرد خلاص - لأقلية ضئيلة في أي مجتمع تبنى طريق"التقليد".. ومآل الغالبية: هو تضخيم عدد بروليتاريا الحضارة المقلَّدة" (1) ( يقصد بذلك المستعبدين للحضارة الغربية ) !
إنها الزراية الصريحة ، والشماتة الصليبية الواضحة . الشماتة بالذين فقدوا ذاتيتهم ، وعجزوا في الوقت ذاته عن تقديم شيء أصيل للبشرية .
والمسلمون الحقيقيون عندهم الكثير الكثير يعطونه للبشرية الضالة في جاهلية القرن العشرين ..
فليأخذوا العمارة المادية للأرض من أي مكان يريدون . ولكن فليقيموها على المنهج الرباني ، لينشئوا الحضارة الحقيقية الأصيلة التي تستحق هذا الاسم .
فليأخذوا العلم والتقدم المادي والتكنولوجي ، ولكن فليحددوا لأي شيء يستخدمون هذا كله ..
في العبودية الذليلة للشهوات ؟ في الاستغراق في الحياة الدنيا إلى حد نسيان الآخرة ؟ في عبادة الشيطان بدلا من عبادة الله ؟
(1) من كتاب مترجم بعنوان"الإسلام .. والغرب .. والمستقبل"هو ترجمة محاضرتين ألقاهما توينبي في عامي 1947 ، 1952 ترجمة الدكتور نبيل صبحي ، دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، ط 1389 هـ - 1969 م ص 50 - 53 ( مقتطفات ) .