ولكن الصدمة العنيفة - الموازية في شدتها لشدة الخواء - أحدثت هزيمة داخلية عنيفة لم يفق منها"المسلمون المعاصرون"بعد ، إلا الذين رجعوا إلى حقيقة هذا الدين ، ومارسوا تلك الحقيقة في عالم الواقع .. تلك الهزيمة الروحية هي التي مهدت في نفوسهم لتقبل الغزو الفكري بلا مناقشة ولا تدبر ولا تفكير ..
ومن بين المفاهيم الضالة التي أدخلها الغزو الفكري في قلوبهم ورءوسهم مفهوم الحضارة وعمارة الأرض .
لقد توهموا - بتأثير الغزو الفكري - أنهم تأخروا لأنهم كانوا مسلمين !
وما أبعد هذا الوهم عن الحقيقة ! فيوم تأخروا ما كان أبعدهم يومئذ عن الإسلام ! وإن بعدهم عن حقيقة الإسلام لهو الذي أدى بهم إلى ذلك التخلف المعيب (1) .
ولكن هذا الوهم جعلهم يبحثون عن الحلول لا في إسلامهم - الذي انسلخوا منه - وإنما في الحضارة الغربية .. أي في الجاهلية المعاصرة !
وقالت لهم الجاهلية المعاصرة: إن الحضارة هي التقدم المادي والعلمي والتكنولوجي ، والتيسيرات المادية التي تأخذ عن عاتق الإنسان ما كان يحمله من جهد فتحمّله للآلة ، وما كان يحمله من ألم فتغيبه بالعقاقير !
وقالت لهم تلك الجاهلية - بلسان حالها وإن أنكرت في مقالها - إن القيم والأخلاق والمبادئ لغو ساقط من الحساب !
وقام"المسلمون المعاصرون"يتحضرون ! قاموا ينفضون عن أنفسهم غبار التخلف ، ويحاولون أن يعوضوا في سنوات ما تخلفوه خلال عدة قرون !
"يتحضرون"على النهج الغربي ، منسلخين أو نافرين من منهج الله .
قاموا يأخذون ببعض أسباب القوة المادية - على فتور ظاهر وتقاعس - بينما يغرقون في الترف الغربي إلى أذقانهم ، في صورة بيوت حديثة ، وفراش وثير ، وسيارات وطائرات ، وأفران وثلاجات ، وملابس مزوقة .. وخمر وميسر ، وفوضى جنسية تسمى"الانطلاق"!
(1) وراجع إن شئت فصل"آثار الانحراف"من نفس الكتاب .