ولئن كانت قضية البعث والحساب قد شغلت حيزا كبيرا من خطاب القرآن للمشركين في مكة ، فإن الله يعلم - سبحانه - ما للإيمان باليوم الآخر من أثر في اقتلاع الشرك بجميع أنواعه وجميع آثاره من القلوب ، ذلك أنهم إن لم يؤمنوا الإيمان القاطع أنهم سيبعثون بعد الموت ، ويحاسبون على شركهم ، فلن يَدَعُوا ذلك الشرك ولن يقلعوا عنه ، سواء كان شرك العبادة أو شرك الاتباع ..
وحين خلصت نفوس المؤمنين بلا إله إلا الله من تلك الألوان من الشرك ، فقد حدث في نفوسهم تحوّل هائل .. كأنه ميلاد جديد .
لم يكن مجرد التصديق ، ولا مجرد الإقرار ..
لقد كان - كما ذكرنا في غير هذا الكتاب - كأنه إعادة ترتيب ذرات نفوسهم على وضع جديد ، كما يعاد ترتيب الذرات في قطعة الحديد فتتحول إلى طاقة مغنطيسية كهربائية .
كان الاهتداء إلى"الحق"هائل الأثر في كل جوانب حياتهم ..
لقد زالت لتوها كل الأرباب الزائفة التي كانت تحتل قلوبهم وأرواحهم وواقع سلوكهم ، ولم يعد يشغل تلك القلوب والأرواح إلا عبادة واحدة ، لله الواحد لا شريك له ..
وسقط مع تلك الأرباب الزائفة كل ما كان متعلقا بها من أعراف ، وكل ما كان حولها من اهتمامات ..
لم تعد القبيلة ، ولا عرف الآباء والأجداد (1) ، ولا العادات ولا التقاليد الموروثة تزن في حسهم جناح بعوضة أو تضغط على حسهم لتشكل سلوكهم أو مشاعرهم .. ولم تعد روابط الدم ، ولا روابط"المصالح"هي التي تجمّع بينهم أو تفرّقهم ..
بل لم تعد الدنيا كلها - بكل اشتباكاتها وكل وشائجها - هي الشغل الشاغل لهم كما كانت قبل إيمانهم بلا إله إلا الله ، ولم تعد"القيم"هي التي تقررها الدنيا منقطعة عن الآخرة !
(1) يقابل هذا العرف في وقتنا الحاضر ما يسمى بالرأي العام !