الصفحة 195 من 272

فهؤلاء هم الذين هزموا بقدر من الله ( وإن كان بسبب من عند أنفسهم في الوقت ذاته ) يقولون:"حسبنا الله ونعم الوكيل". فهم يتوكلون على الله ليخرجوا من الواقع السيئ إلى واقع جديد ! ولا يمنعهم قدر الله السابق من التطلع إلى قدر جديد ! وإذا كان قدر الله الأول قد أصابهم بخطأ ارتكبوه ، فهم يتطلعون إلى قدر الله الآخر بعمل يقدمونه بين يدي ذلك التطلع ، وهو الاستجابة لله والرسول ، أي بسلوك صحيح بعد السلوك الذي وقعت فيه الأخطاء . وهو اتخاذ الأسباب مع التوكل على الله . وهكذا لم يتعارض في حسهم التسليم بقدر الله الواقع مع العمل على التغيير .

وفي طاعون عمواس ، علم الخليفة رضي الله عنه بخبر الطاعون فأمر الجند بالانصراف ، فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه:"أتفر من قدر الله ؟!"قال:"أفر من قدر الله إلى قدر الله !"وهي عبارة بليغة تدل على عمق فهم الخليفة - رضي الله عنه - لقضية القضاء والقدر . إن الطاعون قدر واقع على الناس بالفعل ، ولكن لم يقع بعد على عمر وجيشه . فالعمل على تحاشيه أمر واجب . وهو يتم - حين يتم - بقدر من الله كذلك . فقدر الله بالطاعون لا يمنع قدر الله بالنجاة من الطاعون ! ولقد اتخذ عمر الأسباب التي ظنها مؤدية إلى النجاة ، فتمت النجاة بقدر من الله .

وفي الابتلاء الذي أصاب المؤمنين على يد قريش - وهو سنة من سنن الله لم تتخلف مع أي جماعة من المؤمنين تواجه الجاهلية في بدء الدعوة قبل التمكين - كان الابتلاء واقعا بقدر من الله ، ولحكمة كذلك يعلمها الله ويريدها:

( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (1) .

فهل منع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من محاولة التغيير ؟ بطلب الجوار من بعض المشركين حينا ، وبالهجرة إلى الحبشة حينا ، حتى جاء الإذن بالهجرة إلى المدينة آخر الأمر ؟

(1) سورة العنكبوت [ 3 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت