كبف تحول هذا التوازن البديع إلى تنصل من كل مسئولية بدعوى الإيمان بقضاء الله وقدره ؟
كذلك كان في حس الأمة الأولى أن إيمانها بالقضاء والقدر لا يتعارض مع اتخاذ الأسباب .
لقد كانوا يدركون من جانب أن لله سننا في هذا الكون وفي حياة البشر غير قابلة للتغيير . ومع أن لله - سبحانه وتعالى - سنة خارقة تملك أن تصنع كل شيء ، ولايعجزها ولا يقيدها شيء ، لأن مشيئة الله طليقة من كل قيد ، إلا أن الله جلت قدرته قد قضى بأن تكون سنته الجارية ثابتة في الحياة الدنيا ، وأن تكون سنته الخارقة استثناء لها ، وكلتاهما معلقة بمشيئة الله .
لذلك كان في حسهم أنه لا بد لهم من مجاراة السنن الجارية إذا رغبوا في الوصول إلى نتيجة معينة في واقع حياتهم ، أي أنه لا بد من اتخاذ الأسباب المؤدية إلى النتائج بحسب تلك السنن الجارية .
وبيّن الله لهم ذلك بيانا صريحا في كتابه المنزل .
فلقد قدر الله لدينه أن ينتصر ويمكّن في الأرض ، وقدر لكيد الكفار أن يحبط:
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (1) .
( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) (2) .
لا يعجزون الله الذي كتب لدينه النصر ، ولا يسبقون قدره . فقدره هو السابق وإرادته هي النافذة .
ومع ذلك فهل قال لهم: ما دمت قدرت لديني النصر والتمكين فاقعدوا وانتظروا نفاذ قدري ، وهو لا بد نافذ ؟ كلا ! إنما قال لهم - في نفس الوقت الذي عرفهم فيه بقدره المكتوب لهذا الدين ، وبأنه نافذ لا محالة - إنه لا بد لهم أن يجاهدوا ويعدوا:
(1) سورة الصف [ 9 ] .
(2) سورة الأنفال [ 59 ] .