وفي وقعة أحد كان الدرس هائلا وعميقا في نفوس المؤمنين .
لقد خالف الرماة أمر قائدهم ورسولهم - صلى الله عليه وسلم - إذ أمرهم ألا يبرحوا أماكنهم ولو رأوا المسلمين تتخطفهم الطير . ولكنهم حين رأوا النصر ، وظنوا أن المعركة قد انتهت إلى غايتها ، شغلتهم الغنائم عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغادروا أماكنهم ونزلوا مخافة ألا يحسب لهم نصيب من الغنائم ! ومن هنا كرّ المشركون بخيلهم على جيش المسلمين مطمئنين إلى انصراف القوة الضاربة من فوق جبل الرماة . وكانت الهزيمة والاضطراب العنيف في صفوف الجيش ، وإصابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أشاع الكفار من قتله عليه الصلاة والسلام ، وأثر ذلك في تفريق وحدة الجيش ..
ونزل القرآن بعتاب شديد للمؤمنين على ما فعلوا . ونزل كذلك بالشرح والبيان . وكان من هذا الشرح تلك الآيات:
( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا .. ) (1)
إنه من عند أنفسكم .. وفي ذات الوقت هو بإذن الله .
المسئولية عن الخطأ قائمة ، والإيمان بأنه من قضاء الله وقدره قائم .. لا يتعارضان .
ولقد كان هذا من أعظم ما تعلمته هذه الأمة ومن أعظم ما تميزت به: إزالة التعارض بين إيمان الإنسان بمسئوليته عن عمله ، وإيمانه بقضاء الله وقدره ، وإقرار الأمرين معا في القلب البشري ليتوازن بينهما ، ويتوازن بهما في مسيرته في هذه الأرض ، فلا يزايله الإحساس الدائم بقدر الله والتطلع إليه في الكبيرة والصغيرة ، ولا يزايله كذلك مراقبته لأعمال نفسه ووزنها بميزان الخطأ والصواب .
(1) سورة آل عمران [ 165 - 167 ] .