الصفحة 167 من 272

وحين ضاق مفهوم العبادة في الأجيال المتأخرة فانحصر في الشعائر ، وخرج من دائرة العبادة النشاط اليومي العملي ، سواء منه النشاط السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي .. وخرجت منها أخلاقيات لا إله إلا الله كذلك ، كثرت المعاصي بالطبع وكثر العصاة ، واضطرب سير المجتمع ، وكثرت فيه الانحرافات والمظالم ، وسقط أكثر من مرة في اضطرابات عنيفة ونكبات ..

ومع ذلك فلم يكن هذا القدر هو كل السوء الذي حل بمفهوم العبادة .. إنما كان مرحلة في طريق الهبوط !

لقد كان الذي مر بنا حتى الآن هو انحسار مفهوم العبادة حتى ينحصر في الشعائر التعبدية وحدها دون سائر الأعمال . ولكن هذا الأمر ذاته قد أدى - بالطبيعة - إلى مزيد من الانحسار .. على درجات !

فأما الدرجة الأولى فهي انحسار الشعائر ذاتها إلى أعمال مقصودة لذاتها ، بغير مقتضيات لها ! بحيث يصبح أداؤها في ذاتها هو كل"العبادة"المطلوبة من الإنسان !

ولا شك أن الجيل الأول - الذي تلقى علمه من الكتاب والسنة - لم يكن يفهم الأمر على هذه الصورة !

فالكتاب والسنة قد أعطيا لكل شعيرة من الشعائر التعبدية بعدا نفسيا وسلوكيا لا يقتصر على أدائها .. بل الأصح أن تقول إنه يبدأ بأدائها .. ثم يمتد ليشمل مساحة واسعة من حياة الإنسان !

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (1)

وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (2)

ويقول عليه الصلاة والسلام:"من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله بتركه طعامه وشرابه" (3) ويقول:"رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش" (4) .

(1) سورة العنكبوت [ 45 ] .

(2) سورة البقرة [ 183 ] .

(3) أخرجه البخاري .

(4) أخرجه أحمد وابن ماجه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت