وفهموا أن الصلاة والنسك - أي الشعائر - إنما هي المنطلق الذي ينطلق منه الإنسان ليقوم ببقية العبادة ، التي تشمل الحياة كلها ، بل الموت كذلك !
والموت في حد ذاته لا يمكن أن يكون عبادة بطبيعة الحال لأنه لا خيار للإنسان فيه ، ولكن المقصود في قوله تعالى:"ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له"هو أن يموت الإنسان غير مشرك بالله ، وذلك هو الحد الأدنى الذي يكون به الإنسان - في موته - عابدًا لله . أما الحد الأعلى فهو أن يكون موته استشهادًا في سبيل الله .. وتلك قمة العبادة ..
وبهذا النهج وحده .. أي بأداء تلك العبادة الشاملة المتكاملة ، التي تشمل الحياة والموت ، تتحقق غاية الوجود الإنساني ، ويكون الإنسان قد قام - قدر جهده - بالعبادة المطلوبة تجاه الله ..
ولقد يبدو هذا المعنى غريبا في حس"المسلم المعاصر"، أو معتسفا ، بعد إذا تعودنا منذ أجيال أن ننظر إلى الشعائر التعبدية على أنها هي كل العبادة المطلوبة من المسلم ، وأنه إذا أداها فقد أدى كل ما عليه من العبادة ، ولم يعد لأحد أن يطالبه بالمزيد !
ولكن مرجعنا في تحديد المفاهيم الإسلامية ينبغي أن يكون هو الكتاب والسنة ، والصورة التطبيقية الصحيحة للكتاب والسنة كما مارسها الجيل الأول - رضوان الله عليهم - الذين شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنهم خير القرون قاطبة:
"خيركم قرني ، ثم الذي يليه" (1)
هذا هو المرجع .. وليس ما طرأ على المسلمين خلال مسيرتهم التاريخية الطويلة من قصور أو انحراف ..
ووقوع القصور أو الانحراف خلال تلك المسيرة الطويلة أمر قد لا يستغرب من البشر من أبناء آدم:
( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) (2) .
(1) أخرجه الشيخان .
(2) سورة طه [ 115 ] .