أولًا: قد يكون سببُ تأخير الإجابة أنك لم تستوف الشروط الواجب توافرها فيك حين الدعاء، فقد تكون غير حاضر القلب حين الدعاء، أو لا تكونُ وقتَها على يقين تام بالإجابة، أو لا تكونُ على هيئة الخشوع والخضوع والتذلل وكمال اللجأ، إلى غير ذلك من آداب وشروط الدعاء الهامة.
ثانيًا: قد يكون ذلك لآفة فيك، أو ذنب لم تتب منه، أو ذنب ما صدقت في التوبة منه، أو كان في مأكولك شبهة أو مظلمة لم تَرُدَّها، فعليك أن تقدم التوبة النصوح بشروطها الكاملة، وأن ترد مظالم العباد أولًا.
وهذه الأسباب من أهم أسباب عدم إجابة الدعاء.
وقد ورد في الحديث: (يا سعدُ! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة) .
وورد في الحديث الصحيح: (ثم ذكر الرجل أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء؛ يا رب! يا رب! ومطمعه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنى يستجاب لذلك!) .
فعليك أن تنظف طرق الإجابة من أوساخ الذنوب.
ثالثًا: أن يكون الله قد ادخر لك ثوابها وأجرها في الآخرة، أو صرف عنك من السوء مثلها.
فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثمٍ أو قطيعة رحم) ، فقال رجل من القوم: (إذًا نُكْثِرُ؟) ، قال: (الله أكثر) ، وفي روايةٍ للحاكم زيادةُ: (أو يدخر له من الأجر مثلها) .
ولعل ذلك أفضلُ لك أخي المسلم، إذ إن ادخار الدعاء لك في الآخرة سيرفع درجاتك يوم القيامة ويُعْلي مراتبَك، ويوميئذٍ ستفرح بذلك فرحًا عظيمًا، وتتمنى أن لو كان كل دعائك قد أدُّخِرَ لك أجرُه وثوابه في الآخرة.
رابعًا: إن في تأخير الإجابة ابتلاءٌ جديدٌ من الله لعبده يختبر به إيمانه ويمحصه به، لأنه حينما تتأخر الإجابة يوسوس الشيطان للعبد ويقول له؛"الكرم واسع، والبخل معدوم فما فائدة تأخير الإجابة؟!"، إلى غير ذلك من وساوسه.
فعلى العبد المؤمن ساعتَها أن يقاوم تلك الوساوس ويطردها عن نفسه بكل الوسائل، وعليه أن يدرك ساعتها أنه لو لم يكن في تأخير الإجابة سِرٌّ سوى أن يبلو الله العبد بمحاربة عدو الله وعدوه إبليس، لكفى في ذلك من حكمة.
خامسًا: من حكمة تأخير الإجابة أن يدرك المسلم حقيقة هامة، وهي أنه عبدٌ لله عز وجل، وأن الله مالكٌ، والمالك له حق التصرف فيما يملك بالمنع أو الإعطاء، فإن أعطى فمن فضله وله المنة علينا، وإن منع فبعَدلِه، وله الحجة علينا, وحتى تُدرِكَ أنك لست أجيرًا تغضب حينما لا تُعْطى أجرَك.
ولتدرك ساعتها معنى قوله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية: (إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا) .
وحينما تتأخر الإجابة؛ يتمحص الإيمان، ويظهر الفارق بين المؤمنين حقًا وبين من سواهم فالمؤمن لا يتغير قلبه نحو ربه حينما تتأخر الإجابة، بل تزداد عبوديته لله عز وجل.
وعلى المسلم أن يتذكر ساعتها أن يعقوب عليه السلام حينما فقد ولده الحبيب - يوسف عليه السلام - ظل يدعو ويدعو، ولكن تأخرت الإجابة كثيرًا، حتى قيل؛ إنه ظل يدعو أربعين عامًا، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل ازداد الابتلاءُ شدةً، فأُخِذَ ابنهُ بينيامينُ، وابيضت عيناه من الحزن، إلا أنه - رغم ذلك كله - اشتد يقينه بقرب الفرج، وقال حينها: {عسى الله أن يأتيَني بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم} ، فجاء الفرج من عند الله، ورد الله إليه بصره، ورد إليه يوسف وبنيامين معًا.