الصفحة 47 من 58

وقد لاحظت أن الشيطان - أعاذنا الله منه - يأتي في تلك الأوقات العظيمة الشريفة ليصرف الإخوة عن الدعاء والذكر والعبادة، ويشغلهم عنه بتوافه الأمور، فقد يجعل البعض يثير قضية فرعية لا ينبني عليها عمل في مُعْتَكَفٍ في العشر الأواخر من رمضان، وقد يوسوس للبعض إثارة مثل هذه القضايا بشدةٍ وإلحاحٍ وجدال ولجج وخصومة وعُلُوِّ صوتٍ في ليلة عظيمة من ليالي الوتر، ويظل النقاش العقيم حتى طلوع الفجر؛ حيث يَنْفَضُّ السوق ويكون هؤلاء من الذين خرجوا منه خاسرين لم يربحوا فلسًا واحدًا، بل قد يكونون ضيعوا أكثر من ثلاثة وثمانين عامًا لجهلهم بشرف زمانهم وقيمة ليلتهم العظيمة!

ومن مظاهر الخلل أيضًا؛ أنك ترى البعض إذا وقعت بهم مصيبة أو كارثة أو ابتلاء أخذوا يتحدثون أيامًا طوالًا عن السبب، ولماذا ولم؟ وكيف؟ ومن؟ وما هي القصة؟ و ... و ... ؟! بل تشغلهم مناقشات طويلة وهم ليسوا بصَدَدِ - ولا من أهلِ - اتخاذ القرارات، ولا يحاولون في هذا الوقت العصيب أن يكثروا من الدعاء والذكر واللجوء إلى الله والتذلل لعظمته وإحداث طاعات وقربات جديدة غير التي كانوا عليها، وإحداث توبة شاملة من الذنوب السابقة.

وفي الحقيقة؛ لقد صَحِبتُ أقوامًا كانوا لا يفترون عن الدعاء أبدًا فرادى وجماعات، فإذا وقَعَت مصيبة بهم أو بأحد من المسلمين - ولو في أقصى الأرض - اجتمعوا، وقدموا أصلحَهم ساعتَها للدعاء وهم يُؤَمِّنون على دعائه، وإذ ختم أحدهم القرآن؛ جمع إخوانه ودعاهم لكي يدعوا الله معه عند ختمه، حتى أنه لا يكاد يمر يومٌ إلا ويختم فيه أحدهم، فيدعو ويُؤَمِّن إخوانه على دعائه، وإذا مرض مريض؛ عاده ثلاثة أو أربعة ودعوا له بالأدعية المأثورة، وإذا جاءت ساعة من ساعات الإجابة - مثل آخر ساعة من نهار الجمعة مثلًا - كنت تراهم يدعون فرادى وجماعات، وإذا نزل مطر؛ رأيتهم كذلك يدعون، وإذا حدثت لهم نعمة أو فرج أو نصر - ولو كان جزئيًا بسيطًا -؛ رأيتهم يثنون على ربهم ويشكرونه ويدعونه طلبًا للمزيد من فضله، ورأيتهم يسجدون لله شاكرين، وذلك بمجرد سماعهم لذلك ومعرفتهم بتلك النعمة ... وهكذا، كان الدعاء سجيةً من سجاياهم، وطبيعة من طبائعهم، ويفعلونه دون تكلف، فأكرم بهؤلاء من رفقة وصحبة.

إن من العجيب أن تسمع عن أخٍ؛ لا يدعو لوالديه أحياءً وأمواتًا! وقد نجد أخًا مات والده أو أحدهما منذ سنين، وهو خلال هذه السنوات كلها لم يتذكرهما بدعوة واحدة! فوالله إن هذه لهي الطامة الكبرى، وهي تشبه العقوق بعينه.

ومن العجيب أيضًا؛ أن ترى أخًا مات شيخه، أو استشهد قائده وأستاذه الذي علمه الدين منذ سنوات، ولم يدع له مرة ولم يستغفر له مرة! أليس هذا نوعًا من الجحود والنكران؟! فماذا يكلفك الدعاء لأخيك وشيخك؟ إنه لا يكلف شيئًا، بل إنك ستصبح أو المستفيدين منه والمنتفعين به.

فقد ورد في الحديث رواه مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخيرٍ قال المَلَك الموكَّلُ به؛ آمين، ولك بِمثْلٍ) .

وقد كان الإمام أحمد يدعو لأستاذه الشافعي بعد كل صلاة، وكان يقول لابن الشافعي: (أبوك من الستة الذين أدعو لهم عقب كل صلاة) .

وينبغي للأخ المسلم أن يتذكر في دعائه كل من قدم للإسلام عملًا عظيمًا يرى آثاره بادية ظاهرة، كأول من دعوا إلى الله في بلدته أو جامعته أو في مصره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت