الصفحة 28 من 58

إن الإسلام يريد اليوم من كل مسلم أن يقول لنفسه؛ هل من الإنصاف أن أستريح وإخواني في الله يتعبون؟! أو أنام قرير العين وإخواني في الله يبتلون؟! أو أترك العمل للإسلام وأنا أرى ما يعيشه المسلمون من محن قاسية وحرب ضروس مع أعدائهم؟!

أن يقول لنفسه كما قال الصحابي الجليل أبو خيثمة يوم تأخر عن اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك فقال: (رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضَّحِّ والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل باردٍ، وطعام مهيَّءٍ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم! ما هذا بالنَّصَفِ) ، إن هذه الكلمات العظيمة يجب على كل مسلم عامة وكل أخ ملتزمٍ خاصة أن يقولها لنفسه، ويحدث نفسه قائلًا لها: إخواني في الله بعضهم مبتلى، وبعضهم مشرد لا يجد له مأوىً، وبعضهم قتيل وجريح، وأنا أرفل في النعيم، وآكل أشهى الأطعمة، وأشرب أعذب المشروبات، في ظلالٍ وارفةٍ ونعيمٍ مقيمٌ، ولا أقدم للإسلام شيئًا، بل أترك إخواني وحدهم يتحملون تلك المصاعب الجسيمة! ما هذا بالنصف والعدل، والله لألحقن بأخواني فأجاهد بجهادهم وأبذل في سبيل الله معهم، وأكون معهم حيث ينالني في سبيل الله ما نالهم، وأتحمل في سبيل الله ما يتحملون.

إن الإسلام يريد منكم أن تقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أمره ربه بقوله: {فإذا فرغت فانصب} ، أي إذا فرغت من طاعة فاتعب في غيرها، فما أشد حاجتنا اليوم إلى هذا التوجيه - القرآني العظيم - الذي إن طبقناه في عملنا الإسلامي قفزنا خطوات سريعة على طريق النصر والتمكين.

إنه يقول لكل مسلم؛ لا وقت للراحة والخلود إليها، فإذا فرغت من طاعة فبادر إلى غيرها، إذا انتهيت من عملٍ للإسلام فلا تقف عنده لسبب أو لآخر من عُجْبٍ به، أو حديثٍ عنه، أو تأملٍ فيه، أو فخر به، أو اكتفاءٍ به، بل عليك بالمسارعة إلى النصب والتعب في عملٍ غيره ... وهكذا.

إنَّ عَجَلَةَ عَمَلِكَ للإسلام إذا دارت فإياك أن توقفها لحظة بحجة أو بأخرى، فإنك إن فعلت أَوْشَكَتْ أن لا تدورَ أبدًا، وإن دارت بعد ذلك دارت بمشقة، فالحسنة تدل على أختها، والطاعة تدعو إلى شقيقتها، والبر يدعو إلى صنوهِ، والكسل والبطالة كذلك.

وتذكر دومًا؛ أنك على ثغرٍ من ثغور الإسلام، فلا يُؤْتَيَنَّ الإسلام من قِبَلِك، وإياك أن تغفل عن موضعك لحظة، فإنك إن فعلت أَوْشَكَ العدو أن يقتحمه ويقتلك ومن معك ومن ورائك.

ومن ترك ريَّ زراعته مرة أو مرات قليلة، فسدت وما صلح لها ثمر.

فعلى الأخ المسلم؛ أن يَصِلَ ليله بنهاره وصباحه بمسائه، وصيفه بشتائه عملًا في سبيل الله.

ألا ترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا سبعًا وعشرين غزوة بعد أن جاوز الخمسين من عمره! وذلك بخلاف السرايا التي كان يود أن يخرج فيها بنفسه لولا خوف المشقة على أصحابه - كما ورد في الحديث -

وقد بحثت في سجلات أكثر الناس جهادًا وصلاحًا في زماننا فما وجدت لأحدهم شيئًا يُذْكَرُ أمام جهاد الرسول الكريم، وبالرغم من شبابهم وفتوتهم، فأين المقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم وأين وارثو النبوة؟ وأين السالكون لطريقه والمقتفون لأثره؟ فحقًا الناس كإبلٍ مائةٍ، لا تكاد تجد فيها راحلة - كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم -

وإننا في كل هذا نبحث عن تلك الراحلة التي تتحمل عناء الطريق، وقسوة الطقس، وقلة العلف، وثقل الحمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت