وكذلك الأخ الذي لم يفهم من الإسلام إلا أن يلبس قميصًا أو يطلق لحيته وهو سلبي لا يقدم للإسلام شيئًا، وإن أعطى فإنه يعطي القليل أو الرديء، إن بضعة أفراد من القادة والإخوة الذين يعملون للإسلام بجدٍ واجتهاد لن يستطيعوا - مهما كان بذلهم وجهدهم - أن يقيموا الدولة الإسلامية، ولا حتى أن يقوموا بأعباء العمل للإسلام بفروعه الكثيرة في كل هذه البلاد الشاسعة.
والجميع يعلم الآن تلك الضربات المكثفة التي يقوم بها طواغيت الحكم ضد العاملين للإسلام، مما يعرض هؤلاء الإخوة للابتلاء بين الحين والآخر، ليتركوا من خلفهم فراغًا كبيرًا ينبغي سده، كما أن تلك الحملات تقيد حركتهم وتحد منها وتستوجب على كل أخ أن يبذل الكثير والكثير، وأن يترقى في درجات العمل للإسلام والبذل والعطاء مما يؤهله لتحمل المسئولية، مسئولية العمل للإسلام، ويتعلم كيف يدعو ويربي ويقوم بالحسبة والجهاد وتشغيل الآخرين، وكل ما يتطلبه ذلك من لقاءات ومهارات.
وعلى الأخ المسلم ألا يجلس في بيته منتظرًا من يقوم له بكذا! ومن يفعل له كذا! ومن يُحضر له كذا! وأن يجتهد قدر إمكانه ليقوم بوظائف العمل للإسلام كلها في همة ونشاط وقوة وفاعلية وإتقان وإحسان، ليصدق فيه قول القائل:
ترى الجموع ولكن لا ترى أحدًا وقد ترى همة الآلاف في رجل
إن الإسلام اليوم في حاجة إلى ذلك الرجل الذي يضحي بكل شيء، ويسترخص كل غالٍ في سبيل الله، وينفق عمره كله لله ولنصرة دينه، إن الإسلام اليوم يريد ذلك الرجل الذي يقول من قلبه كما قال سعد بن معاذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر - وهو أول يوم عصيب تمر به الدولة الإسلامية الوليدة في المدينة المنورة - قال رضي الله عنه: (فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا) ، وقال له: (فصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحبَّ إلينا مما تركت) .
إنها أعظم وأصدق كلماتٍ قالها جندي لقائده على مر التاريخ! إنها كلمات تنبض بالحياة والحركة والصدق، ورغم مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان عليها وما شاء الله أن ينمحي أثرها.
إنها تعبير صادق عما يعتمل في مشاعر ونفوس تلك الثلة المؤمنة من الأنصار تحت قيادة ذلك الرجل العظيم؛ سعد بن معاذ، إنها كلمات هتف بها قلب سعد قبل أن ينطق بها لسانه الصادق، وكذلك كان لهذه الكلمات أبلغ الأثر على الرسول الكريم، الضحوك القتال، فقد سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول سعد ونَشَّطه ذلك للقتال، وقال: (سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم) .
إن الإسلام اليوم يريد من جنوده في كل مكان أن تهتف قلوبهم وألسنتهم بمثل كلمات سعد بن معاذ وبنفس صدق سعد بن معاذ، وأن يقولوا من قلوبهم لقادة الحق والرشاد ما قاله ذلك البطل المغوار المقداد بن عمرو، فقد قال: (يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى؛ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن؛ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون) .
قولوا لهم: إننا لن نتفرج عليكم وأنتم تعملون في سبيل الله تدعون وتأمرون وتنهون وتصدعون بالحق وتجاهدون في سبيل الله، بل سنكون معكم مهما كانت الصعاب والمشاق، لن نترككم تقاتلون وحدكم، ولكننا سنقاتل معكم ونبذل وننفق ونعطي معكم، فامضوا لما أمركم الله ورسوله، وامضوا إلى حيث أراكم الله ورسوله.