الصفحة 37 من 150

3 -وجهة نظر الإسلام في باب الزنا: أما القانون الإسلامي، فإنه على العكس من جميع هذه التصورات، يقرر الزنا -من حيث هو- جريمة مستلزمة للمؤاخذة والعقوبة؛ ويغلّظ في نظره شدة هذه الجريمة أن يرتكبها رجل متحصن أو امرأة متحصنة بالزواج، لا على أساس أنه نقض العهد أو تعدي على فرش غيره، ولكن على أساس أنه سلك لقضاء شهوته طريقًا غير مشروع، على كونه متمكنًا من قضائها بطريق مشروع. والنظرة التي بها ينظر القانون الإسلامي إلى فعلة الزنا، هي أنها إذا أطلق عنان الناس لإتيانها متى شاؤوا، فإنها لا تلبث أن تستأصل شأفة نوع الإنسان وتمدنه معًا. فما يستلزمه الاستبقاء على نوع الإنسان وتمدنه أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة محدودة إلى علاقة قابلة للاعتماد عليها حسب القانون. ولا يمكن أن تكون هذه العلاقة المحدودة ما دام المجال واسعًا معها للعلاقة الحرة، فإن الناس إذا كان من الميسور لهم أن يقضوا شهواتهم بدون أن يتحملوا أعباء الحياة العائلية وتبعاتها، لا يمكن أن يرجى منهم بحال أن يرضوا بتحمل هذه الأعباء والتبعات لمجرد قضاء هذه الشهوات نفسها. ومثل ذلك كمثل شرط التذكرة لركوب القطار: إنهلا عبرة بشرط التذكرة لركوب القطار ما دامت للناس الحرية في ركوبه بالتذكرة أو بدون التذكرة. فإن كان شرط التذكرة لازمًا، فمن اللازم لجعله شرطًا متأكدًا مؤثرًا أن يكون السفر بدون التذكرة جريمة. فمن ركب القطار ولم يأخذ التذكرة لأنه لا يملك من المال ما يأخذها به، فإني يأتي بجريمة خفيفة، ومن ركبه بدون التذكرة على كونه غير معدم للمال، فإنه يأتي بجريمة أفحش وأغلظ.

4 -التدابير الإصلاحية والوقائية في الإسلام لحفظ المجتمع من مفاسد الزنا: إن الإسلام لا يعول على سلاح التعزير القانوني المحض لحفظ المجتمع الإنساني من خطر الزنا، بل إنه ليأتي ذلك بتدابير إصلاحية ووقائية على نطاق واسع وهو إنما جاء بالتعزير القانوني كآخر حيلة لتطهير المجتمع، وليس الغرض منه أن يبقى الناس يرتكبون الزنا ويجلدون وتنصب لهم الفلك ليل نهار، بل الغرض منه أن يحول دون ارتكاب هذه الجريمة حيلولة تامة ولا يدع الأمر يقضي إلى إقامة الحدود على الناس. ولأجل ذلك فإن الإسلام يعتني بإصلاح نفس الإنسان قبل كل شيء ويعمر قلبه بخشية الله تعالى عالم الغيب والشهادة العزيز الجبار ويشعره بمسؤوليته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت