المنافقين في المجتمع، وأُحكم -مع ذلك- نظام جماعة المسلمين إحكامًا شديدًا أكثر من ذي قبل بقواعد جديدة ليزداد قوة إلى قوته، فإن الضعف فيه هو الذي كان يحمل الكفار والمنافقين على إثارة الفتن والمفاسد.
والذي يجدر بالملاحظة في هذا البحث بصفة خاصة أن سورة النور خالية من المرارة التي قد نشأت في الأذهان والقلوب عند رد الحملات الشنيعة القذرة. أنظر في جانب من الظروف التي نزلت فيها هذه السورة، وأنظر في الجانب الآخر في ما تشتمل عليه من الموضوعات، تعرف أي طريق معتدل إنتهجه الله تعالى في هذه السوة للتشريع وتنزيل أحكامه القويمة وتعليماته الحكيمة، مما لا يُعلّمنا فحسب: أي رزانة وتدبر معتدل وترفع عظيم وحكمة بالغة علينا أن نواجه به الفتن ونعالجها في أقصى الظروف المثيرة للعواطف، بل يثبت لنا في الوقت نفسه أن ليس هذا الكتاب مما إختلقه الرسول صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، بل قد أنزله عليه الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو يشاهد أحوال الناس ومعاملاتهم دقيقها وجليلها من مقام رفيع، وهو متمكن من منصب الهداية والرشاد بدون أن يتأثر في حد ذاته بهذه الأحوال والمعاملات. ولو أن هذا الكتاب كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم، لكان ظهر فيه -على كل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر والأناة ورحب الصدر وتحمل الشدائد- ولو بعض أثر للمرارة التي لا بد أن يجدها كل إنسان عفيف في نفسه إذا أصيب في عرضه.