الصفحة 5 من 40

وهذه المصادر الأربعة للدستور الإسلامي وإن كانت مدونة في الكتب، ولا تزال في متناول أيدي الناس. فالقرآن محفوظ، والسنة النبوية والوقائع عن أعمال الخلفاء الراشدين وآراء المجتهدين كلها مدونة موجودة في الكتب. فلا شيء منها مفقود. غير أن هناك بعض صعوبات ومشاكل تواجهنا إذا أردنا أن نقتبس منها قواعد دستورنا غير المدون ونرتبها ونبرزها في صورة دستور مدون. وقبل أن أتقدم في البيان، أريد أن نستعرض هذه المشاكل ونتبين حقيقتها.

غرابة المصطلحات

المشكلة الأولى جاءت من جهة اللغة. وبيان ذلك أن الناس عامة في هذا الزمان، قليلًا ما يتفطنون لما ورد في القرآن وفي كتب الحديث والفقه من المصطلحات عن الأحكام والمبادئ الدستورية، ذلك بأن نظام الإسلام السياسي قد تعطل فينا منذ أمد غير يسير، فلا يكاد اليوم يسمع بتلك المصطلحات. ففي القرآن الكريم كثير من الكلمات نقرؤها كل يوم ولكن لا نكاد نعرف أنها من المصطلحات الدستورية، كالسلطان والملك والحكم والأمر والولاية، فلا يدرك مغزى هذه الكلمات الدستوري الصحيح إلا قليل من الناس. ومن ثم نرى كثيرًا من الرجال المثقفين يقضون عجبًا ويسألوننا في حيرة إذا ذكرنا لهم الأحكام الدستورية في القرآن:"أوّ في القرآن آية تتعلق بالدستور"؟ والحق أنه لا داعي إلى العجب لحيرة مثل هؤلاء الأفراد، فإن القرآن ما نزلت فيه سورة سميت"بالدستور"، ولا نزلت فيه آية بمصطلحات القرن العشرين.

لترتيب الغريب للكتب الفقهية القديمة

والمشكلة الثانية جاءت من جهة أن المسائل الدستورية لا توجد في كتبنا الفقهية مجموعة في موضع واحد تحت أبواب وفصول مستقلة، بل قد اختلط الدستور فيها بالقانون. ومن المعلوم أن الفكرة القائلة بأن الدستور شيء مستقل مختلف عن القانون، ما نشأت إلا في العصور المتأخرة، وما بدأ الناس في استعمال كلمة الدستور بمعناها الجديد إلا حديثا. لا شك أن فقهاء الإسلام قد بحثوا جميعًا المسائل التي نسميها اليوم بالمسائل الدستورية. إلا أننا نجد أبحاثهم مبعثرة في مختلف الأبواب القانونية في كتبهم الفقهية. فإن وجدنا مسألة من مسائل الدستور في كتاب القضاء مثلًا؛ نجد الثانية في كتاب الإمارة والثالثة في كتاب السير والرابعة في كتاب النكاج والطلاق والخامسة في كتاب الحدود والسادسة في كتاب الفيء. ثم إن لغتهم ومصطلحاتهم التي وردت في كتبهم مختلفة اختلافًا عظيمًا عن المصطلحات الشائعة في هذا الزمان. حتى إن الذي لا يكون متضلعًا في مختلف فروع القرآن ومسائله ولا متمكنًا من أساليب اللغة، لا يمكن أن يعرف مسألة من مسائل القانون الدولي إن جاءت ضمن قوانين البلاد الداخلية، أو مسألة من مسائل القانون الدستوري إن جاءت مختلطة بقانون الأحوال الشخصية.

فساد النظام التعليمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت