الصفحة 6 من 40

والمشكلة الثالثة جاءت من جهة نظامنا التعليمي الذي لا يزال قائمًا عندنا على أسس غير صحيحة منذ أمد طويل. فالذين يدرسون العلوم الدينية عندنا لا يعرفون علم السياسة الجديد ومسائله، ولا القانون الدستوري وما يتعلق به، فتراهم يصرفون أعمارهم في درس القرآن والحديث وكتب الفقه وتعليمها ولكن يصعب عليهم أن يفهموا المسائل السياسية والدستورية الجديدة باللغة والمصطلحات الشائعة اليوم ثم يبينوا للناس ما للإسلام فيها من المبادئ والأحكام. فهم في حاجة إلى أن تُبيّن لهم هذه المسائل باللغة والمصطلحات التي يعرفونها، وعندئذ يمكنهم بسهولة أن يتبينوا فيها مبادئ الإسلام وأحكامه وأين مرجعها من القرآن أو كتب الحديث والفقه. ومن جهة أخرى نرى رجالنا المتعلمين الجدد الذين تسلموا اليوم أزمة نظمنا المدنية والسياسية والقانونية والقضائية، يعرفون مسائل الحياة الجديدة معرفة تامة، ولكنهم لا يعلمون هداية دينهم في هذه المسائل. وهم لا يعلمون كل ما يعلمون عن الدستور والقانون والسياسة إلا بواسطة تعاليم الغرب ومناهجه ونماذجه العملية، في حين أن معرفتهم بالقرآن والآثار ( Tradition) الدينية ضئيلة جدًا. والذين يحبون منهم -بصدق قلوبهم وصفاء نياتهم- أن يحيوا النظام السياسي الإسلامي من جديد، هم في حاجة شديدة اليوم إلى أن نبين لهم هداية الإسلام في هذه المسائل باللغة والأساليب التي يعرفونها. فلا شك أن هذه عقبة كؤود تقدم اليوم في سبيل تدوين الدستور الإسلامي الصحيح.

ادعاء الاجتهاد مع الجهل

والمشكلة الرابعة هي أحدث المشكلات وأدناها أن تكون أضحوكة من الأضحوكات أو فكاهة من الفكاهات. فقد نشأت في أيامنا وجهة جديدة للتفكير تقول: أن لا كهنوتية في الإسلام، فليس للعلماء من اختصاص بالقرآن والسنة والشريعة حتى يكون لهم وحدهم الحق في التعبير عنها؛ بل المسلمون جميعًا يتمتعون بهذا الحق معهم، وما عند العلماء من حجة تجعل آراءهم أرجح من آرائنا وأقوالهم أكثر وزنا من أقوالنا في أمر الدين. فمثل هذه الأقوال يتشدق بها الدين ما أوتوا أدنى حظ من معرفة القرآن والسنة، ولم يطلعوا على النصوص الدينية؛ ولم يصرفوا يومًا من أيام حياتهم في الدراسة الوافية للدين وتعاليمه. فبدلًا من أن يشعروا بقصورهم في معرفة تعاليم القرآن ويبذلوا جهدًا في تداركه، أبوا إلا إنكار ضرورة هذه المعرفة وأصروا أن يُتركوا وشأنهم ليشوهوا وجه الدين الحنيف ويموهوا تعاليمه النزيهة بتأويلاتهم السخيفة من غير ما علم ولا معرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت