طبيعة المشكلة:
إن هذه القضية يجب علينا أن نفهمها ونعرف طبيعتها قبل أن نأخذ في الكلام على تفصيلها. فالذي نطالب به اليوم ونعمل على تحقيقه هو أن يكون الدستور الإسلامي دستور هذه البلاد. ولكننا لا نعني بذلك أن الدستور الإسلامي دستور قد تم تدوينه وجئنا نطالب اليوم بتنفيذه، بل الواقع أننا نريد أن نحول دستورًا غير مدون ( Unwritten Constitution) إلى دستور مدون ( Written Constitution) [1] ، فإن الدستور الإسلامي شيء لم يعمل على تدوينه بعد. ولهذا الدستور غير المدون عدة مصادر علينا أن نستفيد منها عندما نرتب لبلادنا"دستورًا مدونًا"وفقًا لأحوالنا التي نحن فيها اليوم.
وليس الدستور غير المدون بشيء غريب لم تعهده الدنيا، فإنه ما زالت جميع الدول في العالم تجري نظمها على الدساتير غير المدونة إلى القرن الثامن عشر، ولا تزال دولة كبيرة من دول العالم -بريطانيا- تجري شئونها إلى يومنا هذا من غير ما دستور مدون. ولو أن انجلترا دفعتها الحاجة إلى أن تدون دستورها، لما وسعها إلا أن ترتب مواد دستورها باقتباسها من مختلف المصادر لدستورها غير المدون. وها نحن اليوم نواجه مثل هذه الحاجة بعينها.
(1) المراد بالدستور المدون: صك ( Document) ينطوي على القواعد الأساسية التي يقوم عليها نظام دولة من الدول، ولها في هذه الدولة منزلة قانونية مسلم بها من جميع الأهالي. فكل دولة لا يكون دستورها مدونًا بصورة صك مثل هذا الصك لا يقال لمجموع قواعدها الدستورية إلا"دستورًا غير مدون"، حتى لو كانت هذه القواعد مكتوبة ومبعثرة في مختلف مصادرها.