المرأة ومناصب الدولة في نظام الإسلام [1]
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء) النساء 34.
(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري.
هذان النصان يقطعان بأن المناصب الرئيسية في الدولة -رئاسة كانت أو وزارة أو عُضْوية مجلس الشورى أو إدارة مختلف مصالح الحكومة -لا تُفَوَّض إلى النساء. وبناء على ذلك مما يخالف النصوص الصريحة أن تُنزل النساء تلك المنزلة في دستور الدولة الإسلامية، أو أن يترك فيه مجال لذلك، وارتكاب تلك المخالفة لا يجوز البتّة لدولة قد رضيت لنفسها التقيّد باطاعة الله ورسوله.
وهنا يسأل المعترضون: ما هي المبادئ الإسلامية التي تمنع عُضوية النساء لمجلس الشورى؟ وما هي أحكام القرآن والسنة التي تخص الرجال وحدهم بعضوية هذه المجالس؟
وقبل أن نجيبهم على هذا السؤال، يلزمنا أن نبين حقيقة تلك المجالس التي قد جرى الكلام في استحقاق المرأة لعضويتها. إن تسمية هذه المجالس التشريعية مما يوهم الناس أن وظيفتها سن القوانين فحسب. والمرء إذا توهم هذا الوهم الخاطئ ورأى أنه كانت النساء أيضًا في عمد الصحابة رضوان الله عليهم يتكلّمن في مسائل القانون ويبحثن ويبدين آراءهن فيها؛ وكثيرًا ما كان الخلفاء بأنفسهم يستشيرونهن ويعتَدُّون بآرائهن، استَغْرَب أن تحرم النساء اليوم من عضوية مثل تلك المجالس بحجة المبادئ الإسلامية. والحقيقة أن المجالس التي تُدعى بمثل هذا الاسم في عصرنا هذا، ليست وظيفتها مجرد التشريع وسن القوانين، بل هي بالفعل تسيّر دفّة السياسة في الدولة، فهي التي تؤلف الوزارات وتحلُّها، وتضع خطة الإدارة، وهي التي تقضي في أمور المال والاقتصاد، وبيدها تكون أزمة أمور الحرب والسلم. وبذلك كله لا تقوم هذه المجالس مقام الفقيه والمفتي، بل تقوم مقام"القوّام"لجميع الدولة.
وهنا يجمل بنا أن نرجع إلى القرآن وننظر من ينزله هذه المنزلة في حياة الجماعة ومن لا ينزله، وهذا قول الله تعالى في سورة النساء:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ) النساء: 34.
فأنت ترى أن الله تعالى يُؤتي فيه الرجال مقام (القوّام) بكلمات صريحة ويبين للنساء الصالحات مزيتين اثنتين: أولاهما أن يكنّ قانتات أي مطيعات، والأخرى أن يكنّ حافظات لما يريد الله تعالى أن يحفظه في غيبة أزواجهن.
وقد يقول المعترض في هذا المقام: إن هذا الحكم إنما يتعلق بالحياة العائلية، لا بسياسة الدولة. فنقول: إن القرآن لم يقيد قوّامية الرجال على النساء بالبيوت، ولم يأت بكلمة (في البيوت) في الآية، مما لا يمكن بدونه أن يُحصر الحكم في دائرة الحياة العائلية. ثم هبنا نقبل منكم هذا القول، فنسألكم: أألتي لم يجعلها الله تعالى قوامًا في البيت بل قد وضعها فيه موضع القنوت، أأنتم تريدون أن تخرجوها من مقام القنوت إلى منزلة القوامة على جميع البيوت، أي على جميع الدولة؟ أمن شكّ في أن قوامة الدولة أخطر شأنًا وأكثر مسئولية من قوّامية البيت؟ فهل أنتم تظنّون بالله أنه يجعل المرأة قوامًا على مجموعة من ملايين البيوت ولم يشأ أن يجعلها قوّامًا داخل بيتها.
(1) هذا هو الفصل الذي وعدنا بنشره في آخر مقدمتنا لهذه الرسالة. وهو فصل مقتطف من مقال للأستاذ السيد أبي الأعلى المودودي، نشره في عدد جريدته الشهرية (ترجمان القرآن) الصادر في صفر سنة 1372معربًا بقلم الفاضل السيد محمد كاظم سباق.