ثم ارجع البصر في القرآن، إنه يحدد دائرة أعمال المرأة بهذه الكلمات الصريحة: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب: 33) وعسى أن يعود المعترض فيقول: هذا الأمر إنما أمرت به نساء بيت النبي صلىت الله عليه وسلم فنحن نسأله: هل كان بنساء بيت النبي صلى الله عليه وسلم عَجْز دون سائر النساء لا يدعهن يقمن بالأمور خارج البيت. وهل تفوقهن سائر النساء بفضل في هذه الناحية؟ وإذا كانت جميع آيات القرآن بهذا الصدد مختصة بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فهل أذن الله لسائر المسلمات أن يتبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى، وأن يكلمن الرجال ويخضعن لهم بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض؟ وهل يرضى الله تعالى أن يكون بيت كل مسلم غير بيت النبي صلى الله عليه وسلم مدنّسًا بالرجس؟
ثم هيا بنا إلى الحديث. وهنا نجد هذه الأقوال الواضحة للنبي صلى الله عليه وسلم"إذا كان أمراؤكم شرارَكم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير من ظهرها"رواه الترمذي وعن أبي بكرة لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"رواه البخاري وأحمد بن حنبل والنسائي والترمذي. هذان الحديثان جاء كلاهما يفسر قول الله تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء) تفسيرًا سديدًا يصيب المَحزّ ويطبِّق المفْصل، ويتجلى منهما أن السياسة والحكم خارجان عن دائرة أعمال المرأة. وأما السؤال: ما هي إذن دائرة أعمال المرأة؟ فتجيب عنه هذه الأقوال الكريمة للنبي صلى الله عليه وسلم بالصراحة والوضوح:
"والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم"رواه أبو داود.
وهذا هو التفسير الصحيح للآية (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) وتفسرها بعد ذلك هذه الأحاديث التي جاءت تعفي المرأة من معالجة ما هو دون السياسة والحكم من الأمور والواجبات خارج البيت:
"الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض"رواه أبو داود.
"عن أم عطية قالت نهينا عن اتباع الجنائز"رواه البخاري.
هذا وإن كانت عندنا دلائل عقلية قوية تعزّز نظريتنا هذه، ونحن مستعدون لعرضها على من يتحدّانا فيها، إلا أننا نضرب صفحًا عنها في هذا المقام، لأنه لم يسألنا سائل عنها، ولأننا لا نقبل من مسلم بعد أن بلغته أحكام الله ورسوله واضحة بينة أن يطلب الدلائل العقلية قبل أن يتبعها أو يشترط تلك الدلائل لأجل اتباعه إياها. وذلك أن المسلم -إن كان صادقًا في إسلامه- يجب عليه أن يتبع قبل كل شيء ما أمر به. ثم له بعد ذلك أن يطلب الأدلة العقلية، حتى تطمئن نفسه. أما من يقول: ما كنت لأتبع ما أمر به الله والرسول إلا بعد أن ترضوني بالأدلة والبراهين العقلية، فلا نعده حتى مسلمًا فضلًا عن أن نفوض إليه أمر وضع الدستور لدولة الإسلامية. إن من يطلب الدليل العقلي ويأبى أن يمتثل أمرًا من أوامر الله إلا به، فلا شك أن مقامه الصحيح خارج خدود الإسلام لا داخلها.