الصفحة 38 من 40

وإذا كان عند من يسوّغون تدخّل المرأة في شؤون السياسة والحكم دليل يؤيد نظريتهم، فما هو إلا أن عائشة رضي الله عنها قد خرجت تطالب بدم عثمان رضي الله عنه وقاتلت عليًا كرم الله وجهه في وقعة الجمل. إلا أن هذا الدليل قائم على أساس من الخطأ. وذلك أنه ما دام هدي الله ورسوله واضحًا في مسألة، لا يجوز أبدًا أن يُحتج فيها بعمل شخصي لأحد من الصحابة، مما يخالف هدي الله ورسوله بادئ الرأي. إن سِيَر الصحابة رضوان الله عليهم لا ريب هي مشاعل الهدى ومصابيح الدُّجى، نستضيء بها في اتباع ما هدانا الله ورسوله إليه، لا نتبع ما فرط منهم من الهفوات الشخصية معرضين عن الآيات الواضحة وهدى الرسول الثابت. ثم كيف يجوز لنا أن نتخذ الفعل الذي قد خطأه كبار الصحابة في تلك الآونة والذي ندمت عليه أم المؤمنين بنفسها فيما بعد دليلًا على إحداث بدعة في الإسلام.

فهذه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها لما بلغها إقدام عائشة رضي الله عنها على ذلك الأمر، كتبت إليها كتابًا قد نقله بتمامه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) وابن عبد ربه في (العقد الفريد) . فانظر فيه ما أشد الكلمات التي تعظ بها أم سلمة رضي الله عنها:"قد جمع القرآن الكريم ذيلك فلا تندحيه ... قد نسيت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاك عن الإفراط في الدين ... وما كنت قائلة لرسول الله لو عارضك بأطراف الجبال والفلوات على قعود من الإبل، من منهل إلى منهل"ثم اذكروا قول عبد الله ابن عمر رضي الله عنه"بيت عائشة خير من هودجها"واقرأوا قول أبي بكرة هذا في صحيح البخاري:"ما نجوت من فتنة وقعة الجمل إلا لما تذكرت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".

ومن كان يا ترى أعلم بالشرع من علي رضي الله عنه في ذلك الزمن فقد كتب إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بصراحة: إن ما أقدمتِ عليه يتعدى حدود الشريعة، ولم يسع أم المؤمنين على فرط ذكائها وكمال فقاهتها أن تجيبه على ذلك بدليل. كانت كلمات علي رضي الله عنه في كتابه:"أما بعد فإنك خرجت غاضبة لله ولرسوله تطلبين أمرًا كان عنك موضوعًا. ما بال النساء والحرب والإصلاح بين الناس؟ تطالبين بدم عثمان، ولعمري لمن عرّضك للبلاء وحملك على المعصية أعظم إليك ذنبًا من قتلة عثمان".

وانظر كيف يعد علي رضي الله عنه ما أقدمت عليه به أم المؤمنين مخالفًا للشرع، ولكنها ما وسعها إلا أن تجيبه قائلة"جل الأمر عن العتاب، والسلام!"ثم لما انتهت وقعة الجمل ودخل علي رضي الله عنه على أم المؤمنين قال لها:"يا صاحبة الهودج: قد أمرك الله أن تقعدي في بيتك، ثم خرجت تقاتلين؟"فكذلك لم تستطع حينئذ أن ترد عليه قائلة: إن الله لم يأمرنا معشر النساء بالقعود في البيت، وإن لنا حقًا في معالجة السياسة والحرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت