ثم قد تحقّق أيضًا أن أم المؤمنين رضي الله عنها ما زالت في آخر الأمر نادمة على فعلها. فروى العلامة ابن عبد البرّ في (الاستيعاب) أن أم المؤمنين شكت إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقالت: مالك يا أبا عبد الرحمن لم تنهني عن الخروج؟ فقال ابن عمر: رأيت أن رجلًا قد غلب على أمرك ولم أرك تخالفينه، فقالت لو نهيتني لم أخرج. فأي حجة يا ترى بعد هذا كله في عمل عائشة رضي الله عنها يحتج بها ذو علم، ويدعي أن النساء أيضًا قد جاء الإسلام يقرر شركتهن في القيام بشؤون السياسة وتدبير أمور الدولة. وأما الذين لا يزنون الحق إلا بميزان ما تعمل به الأمم الغالبة في الأرض، والذين قد آلوا على أنفسهم ألا ينهجوا إلا منهج الكثرة الغالبة، فمن فرض عليهم أن يجرّوا الإسلام معهم ويحملوه ما ليس فيه؟ إن لهم الخيرة في الأمر، فليذهبوا حيث يشاءون، ولكن ينبغي لهم أن يكونوا -على الأقل- من الأمانة والصدق والشجاعة بمكانة يستطيعون معها أن يقولوا: إنا نقتدي بهؤلاء أو بهؤلاء، وألا يتقوّلوا على الإسلام -بغير حجة- ما يرده البتة كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ القرون المشهود لها بالخير.