7 -المواطنة ( Citizenship) وأسسها
وخذوا الآن مسألة المواطنة. لما كان الإسلام نظامًا للفكر والعمل وعلى أساس هذا النظام يقيم دولته، فهو يقسم السكان في دولته قسمين. ثم لما كان الصدق والجهرية روحه الحقيقية فها نحن نراه يبين هذه القسمة بين سكان دولته بيانًا واضحًا من غير غش ولا خديعة. وهو لا يميل مخادعة للدنيا إلى أن يجعل جميع سكان دولته سواسية بلسانه، ثم يفرق بينهم لا في الواقع العملي فحسب بل ويأبى أن يمنح فريقًا منهم حتى الحقوق الإنسانية الأساسية كما عليه حال السود في أمريكا وغير الشيوعيين في روسيا وسائر الأقليات القومية في سائر الجمهوريات اللادينية اليوم. لا يجنح الإسلام إلى مثل هذه السياسة الغاشمة المبنية على الغش والتدليس، وإنما يجعل سكان دولته على نوعين: المسلمين وأهل الذمة.
أما السكان المسلمون فيقول القرآن فيهم"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا" (الأنفال: 72) . فهذه الآية تبين أساسين للمواطنة: الإيمان وسكنى دار الإسلام أو الانتقال إليها. فإذا كان المرء مؤمنًا ولكنه ما ترك تابعية دار الكفر، أي لم يهجرها إلى دار الإسلام ولم يستوطنها، فلا يُعد من أهل دار الإسلام. أما المؤمنون الذي يقطنون في دار الإسلام -سواء ولدوا فيها أو انتقلوا إليها من دار للكفر- فهم من أهل دار الإسلام متساوون معهم في حقوقهم وأولياء فيما بينهم.
وقد ألقى الإسلام على كواهل هؤلاء السكان المسلمين تبعة حمل نظامه كله، فإنهم هم الذين يسلمون بحقانية هذا النظام، فهو ينفذ فيهم قانونه كله، ويلزمهم الامتثال لجميع أحكامه الدينية والخلقية والمدنية والسياسية، ويفرض عليهم القيام بجميع واجباته وفرائضه، ويطالبهم بكل نوع من التضحية في الدفاع عن دولته. ثم يخولهم وحدهم الحق في أن ينتخبوا أولي الأمر لهذه الدولة ويشتركوا في البرلمان -مجلس الشورى- المدبّر لشؤونها، وأن توسد إليهم مناصبها الرئيسية لتسير سياسة هذه الدولة الفكرية وفقًا لمبادئها الأساسية. وأكبر دليل على هذا القاعدة أننا لا نجد في عهد النبوة ولا في عهد الخلافة الراشدة مثلًا يدل على أن أحدًا من أهل الذمة انتخب عضوًا لمجلس الشورى أو وُليَ حاكمًا على قطر من أقطار الدولة أو قاضيًا عليه أو وزيرًا لشعبة من شعب الحكومة أو ناظرًا عليها أو قائدًا في الجنود، أو سُمِح له بأن يدلي برأيه في انتخاب الخليفة، مع أنه لم يكن حتى ولا عصر النبي صلى الله عليه وسلم خاليًا من أهل الذمة بل كان عددهم قد بلغ عشرات الملايين في عهد الخلافة الراشدة. فلو كان الاشتراك في كل هذه الأمور من حقهم لما بخسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من هذا الحق، ولا قعد عن أدائه مدة ثلاثين سنة أتباعُه وأصحابه المُربّون على عينه صلى الله عليه وسلم.