الصفحة 31 من 40

والمراد بأهل الذمة جميع أولئك الذين يقطنون في داخل حدود الدولة الإسلامية من غير المسلمين ويقرون لها بالولاء والطاعة، بصرف النظر عما إذا كانوا قد ولدوا في دار الإسلام أو جاءوا إليها من الخارج والتمسوا من الحكومة أن تجعلهم في عداد أهل الذمة. فلمثل هؤلاء من غير المسلمين يضمن الإسلام المحافة على دياناتهم وثقافاتهم وأموالهم وأعراضهم، وإنما ينفذ فيهم قوانينه -قوانين البلاد- ويعطيهم في قوانين البلاد الداخلية مثل ما يعطي المسلمين من الحقوق سواء بسواء، ويفتح لهم أبواب جميع الوظائف في الدولة إلا المناصب الرئيسية ويجعل نصيبهم من الحرية المدنية مثل نصيب المسلمين، ولا يجيز أن يعامَلوا في الشؤون الاقتصادية بما لا يعامل به المسلمون أنفسهم، و-فوق ذلك- يعفيهم من تبعة الدفاع عن الدولة ويلقيها كلها على كواهل المسلمين وحدهم.

ومن كان يجد في نفسه شيئًا على هذين القسمين من المواطنة ومثابتيهما المختلفين، فلينظر نظرة فيما تعامل به اليوم الدولة الحاملة لفكرة من الأفكار من لا يؤمن بفكرتها، والدول القومية من يسكن في داخل حدودها من الأقليات القومية. ومن الممكن أن نقول بكل جزم وبكل تحد: إن المشكلة التي تنشأ في دولة بوجود أقلية لا تؤمن بمبادئها في داخل حدودها قد حل الإسلام عقدتها بما لم يحلها به نظام آخر في الدنيا من العدل والكرم والتسامح. قد حلها الآخرون بإحدى الطريقتين:

إما أنهم حاولوا محوها، أو جعلوا رجالها كالمنبوذين.

أما الطريق الذي اختاره الإسلام، بإزاء هذه النظم كلها، فهو أنه وضع بالعدل التام حدًا بين من يؤمنون بنظامه وبين من لا يؤمنون به فالذين يؤمنون به يلزمهم التقيد كل التقيد بمبادئه، ويلقي عليهم التبعة في تسيير نظام الدولة وفقًا لهذه المبادئ. وأما الذين لا يسلمون بهذه المبادئ فلا يلزمهم اتباعها إلا إلى حد لا بد منه للمحافظة على نظام البلاد، ويضمن لهم المحافظة على حقوقهم المدنية والإنسانية بعد إعفائهم من تبعة تسيير نظام الدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت