الصفحة 25 من 40

فيظهر من هذا أن أهل الحل والعقد في ذلك الزمان كانوا رجالًا معينين معلومين ما زالوا في هذه المنزلة من ذي قبل، وكان لهم وحدهم أن يقطعوا في أمور الأمة المهمة. فلا يصح إذن ظن الذين قالوا إن الخليفة هو الذي كان يدعو للمشاورة من يشاء وفي أي وقت يشاء وبأي طريق يشاء، وما كان أحدهم يعلم من هم أهل الشورى أو أهل الحل والعقد بصفة مستقلة الذين يجوز لهم القطع في مسائل الأمة المهمة.

فالقاعدة الكلية التي تستنبط من تعامل الصحابة في عهد الخلافة الراشدة، بل من الأسوة النبوية نفسها، هي أن الخليفة لا ينبغي له أن يشاور في الأمر من يشاء، أو أن ينتخب هذا الذي يشاور بنفسه، بل يجب عليه أن يشاور في أمر المسلمين من يكون حائزًا لثقة عامتهم ويكون الناس على اطمئنان من إخلاصه ونصحه وأمانته وأهليته، وتضمن مشاركته في أقضية الحكومة بأن الأمة ستمد إلى الحكومة يد التعاون في تنفيذ هذه الأقضية. أما تبيّن من يحوز ثقة عامة المسلمين فالظاهر في بابه أنه لا يمكن أن يختار له اليوم نفس ذلك الطريق الذي اختاره المسلمون في بدء الإسلام في ظروف ذلك الزمان المخصوصة، خاصة وأن ما يواجهنا اليوم من العقبات والمشكلات لم يواجه الناس حينذاك ولم يكن له وجود في الأحوال العمرانية في ذلك الزمان. فيجوز أن تستخدم اليوم، على حساب أحوالنا وحاجاتنا، كل طريق مباح يمكن به تبين من يحوز ثقة جمهور الأمة. ولا شك أن طرق الانتخاب في هذا الزمان هي أيضًا من الطرق المباحة التي يجوز لنا استخدامها، بشرط أن لا يستعمل فيها ما يستعمل من الحيل والوسائل المرذولة [1] .

شكل الحكومة ونوعها:

(1) يفصل الأستاذ المودودي في رسالة"نظرية الإسلام السياسية"القول في هذا الموضوع فيقول:

لا ينتخب للإمارة أو لعضوية مجلس الشورى أو لأي منصب من مناصب المسئولية من يرشح نفسه لذلك أو يسعى فيه سعيًا ما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال"إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله أو حرص عليه".

ومن المؤكد أنه ليس في المجتمع الإسلامي محل للترشيح ( Candidature) للمناصب والدعايات الانتخابية أصلًا، ومما يمجه الذوق الإسلامي وتأباه العقلية الإسلامية، أن يقوم لمنصب واحد اثنان أو ثلاثة أو أربعة من طلابه فينشر كل واحد منهم خلاف الأخر من نشرات تبكي لها المروءة ويندى لها جبين الشرف الإسلامي ويعقدوا حفلات لمدح أنفسهم والطعن فيمن سواهم ويستخدموا الصحف والجرائد للدعاية ويغروا الناخبين بأنواع من الحيل المخجلة، ويطمعوهم في المال وتجري سياراتهم ليل نهار لتسفيه الناس، ثم ينجح منهم من كان أكثرهم كذبًا وميتًا وأدهاهم تلفيقًا وتزويرًا أو أشدهم إسرافًا في المال. فهذه طرق ملعونة للدول الشيطانية لو وجد من فعل عشر معشارها في الدولة الإسلامية لرفع أمره إلى المحكمة وعوقب عليها عقابًا شديدًا فضلًا عن حرمانه من أن ينتخب عضوًا لمجلس شورى الخلافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت