والمسألة المهمة الثالثة بعد هذا:"ما هو شكل الحكومة ونوعها في الإسلام؟"فإذا استعرضنا في هذا الشأن عهد الخلافة الراشدة؛ علمنا أن"أمير المؤمنين"في ذلك الزمان هو الذي كان يبايعه الناس على السمع والطاعة ويخولونه أهم أمور حياتهم الاجتماعية، أي زمام الحكومة والإمامة. فكانت منزلته مختلفة عن منزلة كل من ملك انجلترا ورئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزارة البريطانية ورئيس الجمهورية الأمريكية ورئيس الوزارة الروسية. فما كان هو رئيس الدولة فحسب، بل كان رئيس الوزارة أيضًا وكان يحضر البرلمان بنفسه ويترأس جلساته ويشارك أعضاءه في مناقشاتهم ومباحثاتهم، وكان هو المسئول عن جميع أعماله وأعمال حكومته، ما كان في برلمانه حزب حكومي وحزب معارض، بل كان البرلمان كله هو حزبه الحكومي إن راعى الحق في سياسته وحزبه المعارض إن زاغ عن الحق ومال إلى الباطل. كان كل عضو من أعضاء البرلمان حرًا بصفته الفردية يوافق الأمير فيما يشاء ويخالفه فيما يشاء، فكان وزراء الخليفة أنفسهم يبدون في البرلمان آراء قد لا توافق رأي الخليفة، ولكن كل ذلك ما كان ليؤثر أثرًا سيئًا في علاقة الرئاسة بالوزارة ولا ليدعو إحداهما إلى الاستقالة. وما كان الخليفة بمسئول أمام البرلمان فحسب، بل كان مسئولًا كذلك أمام جمهور الأمة حتى عن أمور حياته الشخصية كان يخالط الجمهور ويقابلهم عندما يحضر إلى المسجد للصلاة خمس مرات كل يوم ويخطبهم يوم الجمعة. بل كان الناس يجدونه يمشي بينهم في الأسواق، ويؤاخذونه إن وجدوا فيه شيئًا يؤاخذ عليه، وكان لكل رجل أن يطالبه بحقه متى شاء ويسأل عن أعماله في الأندية الحافلة. ومما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما بايعه الناس بالخلافة:"أيها الناس قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن صدقت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ له حقه، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله".
فهذا الطراز للحكومة، الذي لا يمكن أن يطلق عليه مصطلح من مصطلحات هذا الزمان، هو الذي يناسب الإسلام ويلائم فطرته، وهو الغاية المنشودة من وراء أعمالنا ومساعينا اليوم. ولكنه لا يكاد يلائم المجتمع إلا ّإذا كان المجتمع قد تهيأ كل التهيؤ طبيقًا لنظريات الإسلام الانقلابية. ومن أجل ذلك لما ظهر الانحطاط في المجتمع، تعذر التلاؤم بينه وبين هذا الطراز للحكومة. فإن كنا نريد اليوم أن نرجع إلى هذه الغاية المنشودة مرة أخرى، فلا بد أن نقتبس منها لبدء العمل أربعة مبادئ أساسية ثم نأخذ في إفراغها في قالب العمل على حسب أحوالنا وحاجاتنا:
أولًا: إن كل من نلقي على كاهله مسئولية الحكومة الحقيقية، ينبغي أن لا يكون على صلة بممثلي الجمهور ونوابهم فحسب، بل يكون على صلة متصلة بعامة الأهالي أيضًا. ولا يدير شؤون الدولة بالمشاورة فحسب؛ بل يكون مسئولًا عن أعمالها أيضًا.
وثانيًا: إنه ينبغي أن نتخلص من النظام الحزبي الذي يدنس نظام الحكومة بأنواعه من العصبية الجاهلية، والذي من الممكن فيه أن تستبد بزمام الأمر في البلاد طائفة مولعة بالنفوذ والسلطة وتنفق أموال الجمهور في استمالة من ينتصرون لها انتصارا دائمًا من الأهالي، ثم تفعل في البلاد ما تشاء وتشاء أهواؤها بتأييد من هؤلاء وانتصارهم، من الرغم من مساعي الجمهور في كبج جماحها والأخذ على يدها.