ثم بدأ يبرز في هذا المجتمع المدني عنصران جديدان من الناس: عنصر من الذين قاموا بأعمال جليلة ومهمات عظيمة في الشؤون السياسية والعسكرية ودعوة الناس إلى الدين، حتى أصبح الناس لا تطمح أبصارهم إلا إليهم في كل ما يعرض لهم من أمورهم المهمة. وعنصر من الذين نالوا شهرة عظيمة بين الناس من حيث علم القرآن وفهمه والتفقه في الدين، حتى أصبح عامة المسلمين يعتمدون عليهم في الدين أكثر من غيرهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ازداد الناس ثقة بهم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعضهم في مختلف الأحيان"تعلموا القرآن من فلان"أو"ارجعوا إلى فلان في معرفة المسائل من نوع كذا"فأصبح هذا العنصران أيضًا ينضمان إلى مجلس شورى النبي صلى الله عليه وسلم بانتخاب فطري، ولم يشعر المسلمون بحاجة قط إلى انتخاب أحد منهم بالأصوات، ولو أنهم أرادوا ذلك لما كان في المجتمع أحد سواهم ينتخبه المسلمون.
فهكذا نجد أنه قد تألف حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ذلك المجلس -مجلس الشورى- الذي كان الخلفاء الراشدون يشاورونه في عصورهم. وكذلك نجد أنه قد تقرر في ذلك الزمان من السوابق الدستورية ما على أساسه ظل يشترك في هذا المجلس فيما بعد رجال جدد أثبتوا أنهم صالحون لعضويته. وذلك بما نالوا من الصيت والحب بين العامة بخدماتهم ومؤهلاتهم الفكرية السامية، فهم الذين دُعوا بأهل الحل والعقد، وما كان الخلفاء الراشدون ليقطعوا أمرًا من الأمور المهمة إلا بمشورتهم. ولكي تتبينوا ما كان لهؤلاء من المنزلة الدستورية في عهد الخلافة الراشدة، أذكر لكم أن الناس قاموا -بعد شهادة عثمان بن عفان رضي الله عنه- فأتوا عليًا في داره فقالوا: نبايعك فمد يدك، لا بد من أمير وأنت أحق بها، فقال"ليس ذلك إليكم، إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة فنجتمع وننظر في هذا الأمر" [1] .
(1) وقد يسألني السائل هذا المقام: لماذا كان أهل الحل والعقد كلهم في ذلك الزمان من أهل المدينة وحدها؟ ولماذا لم يكن ينتدب الممثلون الآخرون الموثوق بهم والمعتد عليهم إلى مجلس الشورى من سائر أقطار الدولة وأنحائها، فالجواب أنه كان لذلك سببان: الأول أن الدولة الإسلامية ما كانت دولة وطنية، بل إنما كان وجودها عن طريق الدعوة إلى نظرية أحدثت انقلابًا فكريًا وخلقيًا في الناس أولًا، ثم تولد مجتمع فكري نتيجة لهذا الانقلاب ثم اختار هذا المجتمع صورة كصورة الدولة الفكرية في آخر الأمر. ففي مثل هذه الدولة كان مركز الثقة -طبعًا- ذلك الفرد الوحيد الذي أحدث هذا الانقلاب الفكري، ثم كان مركز الثقة بعده في هذا المجتمع الانقلابي كله من كانوا أول مساعدي مؤسس الانقلاب والمتعاونين معه. فكانت زعامتهم زعامة فطرية لم يكن من الممكن أن يحوز ثقة الناس في هذا المجتمع رجل ممن سواهم.
فلأجل ذلك السبب ما وجدنا الناس في ذلك الزمان رفعوا أصواتهم من أي ناحية من نواحي الدولة معترضين على أهل المدينة"ما لهم قد أصبحوا المختصين بالحل والعقد دون سواهم؟".
والثاني: أنه لم يكن من الممكن في ذلك الزمان وأحواله المدنية إجراء الانتخابات العامة ممتدة من أفغانستان شرقًا إلى شمال أفريقيا غربًا وانتداب الممثلين إلى كل جلسة مهمة أو غير مهمة من جلسات مجلس الشورى من كل ناحية قريبة أو بعيدة من نواحي الدولة.