الصفحة 23 من 40

والمسألة المهمة الأخرى بعد مسألة انتخاب الأمير هي مسألة أهل الحل والعقد -أعضاء مجلس الشورى- أي من ذا الذي ينتخبهم وبأي طريق ينتخبهم؟ وقد حسب الناس بناء على دراستهم التافهة أن الإسلام لا قاعدة فيه أصلًا للمشورة وأن أعضاء مجلس الشورى في عهد الخلافة الراشدة ما كانوا ينتخبون بالانتخابات العامة، وإنما كان الخليفة بنفسه يدعو للمشاورة من يشاء من أفراد الأمة. والحقيقة أن ليس كل ذلك إلا توهمًا فاسدًا منشأه أن الناس أرادوا أن يفهموا أمور ذلك الزمان وشؤونه قياسًا على أوساطهم الحاضرة، مع أنه كان عليهم أن ينظروا فيها إلى بيئة ذلك الزمان نفسه ويتأملوا فيما كان قد روعي في تفاصيلها العملية من القواعد والمبادئ الأساسية.

من المعلوم أن الإسلام كان قد نهض في مكة المكرمة كحركة من الحركات، ومن طبيعة الحركات أن الذين يستجيبون لدعوتها قبل غيرهم هم الذين يكونون أصحاب الداعي وسواعده ورجال مشورته. فالذين كانوا السابقين الأولين في الإسلام، أصبحوا -بطريق فطري- أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مشورته ليشاورهم ويعتمد عليهم في الأمور التي لم ينزل الله تعالى فيها حكمًا صريحًا من عنده. ولما كثر المستجيبون لدعوة الحركة الإسلامية واشتد صراعها للقوى المخالفة، أنجبت بنفسها وأبرزت رجالًا كانوا ممتازين عن سائر المسلمين بخدماتهم وتضحياتهم وبصيرتهم وفراستهم، ولم يكن انتخابهم قد تم بالأصوات، ولكن بما عانوا في حياتهم من المحن والشدائد والتجارب، وهي طريق للانتخاب أكثر صحة وأدنى إلى الفطرة من طريق الأصوات. فهكذا أتيح نوعين من الرجال أن يكونوا أعضاء لمجلس شورى النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبل هجرته إلى المدينة المنورة: نوع من السابقين الأولين -ونوع من الممتحنين المجربين الذين نبغوا في جماعة المسلمين فيما بعد. فكان رجال هذين النوعين يحوزون ثقة سائر المسلمين كما كانوا يحوزون ثقة النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب. وقد كان بدء هذه الواقعة أن جاء إليه صلى الله عليه وسلم وهو في مكة نفر من أهل يثرب ممن لهم نفوذ وكلمة مسموعة بين أهلها، فأسلموا على يده ثم رجعوا إلى أهلهم يدعون الناس بدعوة الإسلام حتى تنورت بنوره بيوت الأوس والخزرج. فعلى دعوة من هؤلاء خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه من المهاجرين من مكة وتحولوا إلى المدينة المنورة، حيث اختارت الحركة صورة كصورة النظام السياسي أو الدولة.

فكان من الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن الذين بمساعيهم انتشر وما زال ينتشر الإسلام في المدينة المنورة، هم الذين نالوا منزلة الزعماء المحليين في هذا المجتمع والنظام السياسي الجديد، وكانوا هم الأجدر بأن يشتركوا في مجلس شورى النبي صلى الله عليه وسلم كعنصر ثالث -الأنصار- مع السابقين الأولين، والمجربين الممتحنين من المهاجرين. وكان انتخابهم أيضا قد تم بطريق فطري وكانوا حائزين ثقة القبائل المسلمة كلها، وكأني بهم لو تم انتخابهم بطرق هذا الزمان، لما انتخب رجل من غيرهم أبدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت