الصفحة 22 من 40

ولما طعن عمر رضي الله عنه وأحس بالموت وطلب إليه أن يعهد إلى خليفة من بعده، قال: عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم من أهل الجنة:"علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام". ثم دعا هؤلاء وقال لهم"إني نظرت فوجدتكم رؤساء القوم وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله وهو عنكم راض"ثم جعل الخلافة شورى بينهم وعين لهم الأجل الذي يتم فيه الانتخاب وهو ثلاثة أيام من بعد موته. وقال للناس"أمهلوا؛ فإن حدث بي حدث، فليصل بكم صهيب ثلاث ليال، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه"فلما دفن عمر اجتمع أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة -وقيل في حجرة عائشة- وأخيرًا أصبح الأمر في عنق عبد الرحمن بن عوف في اختيار أحد الرجلين: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب. وقدر ابن عوف جلال التبعة الملقاة على عاتقه وما يجب عليه لله ولدينه وللمسلمين لذلك جعل يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة بعد الحج من أمراء الأجناء ورؤوس الناس وحتى النساء في البيوت والصبيان في المكاتب، ليسألهم جميعًا مثنى وفرادى، مجتمعين ومتفرقين، سرًا وعلانية، حتى يجتهد في أفضل الرجلين فيوليه، ورأى الكثرة أشد ميلًا إلى عثمان. ثم لما صلى الصبح من ذلك الليل الأخير الذي فرضه عمر لاختيار أمير المؤمنين جمع رجال الشورى وبعث إلى من حضر من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار والأمراء، حتى التج المسجد بأهله إلى أن تم المجلس بمبايعة عثمان بن عفان بالخلافة.

ولما استشهد عثمان واضطرب أمر المسلمين، دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب في منزله فقالوا إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ولا نجد اليوم أحدًا أحق بهذا الأمر منك فقال"لا تفعلوا فإني إن أكن وزيرًا خير من أن أكون أميرًا". فقالوا لا، والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك"فقال"ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفيًا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين" [1] ، قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس. فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه وأبى هو إلا المسجد. فلما دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس."

ولما ضرب ابن ملجم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عنقه بالسيف وأحس المسلمون بقرب أجله دخلوا عليه فقالوا "إن فقدناك ولا نفقدك، فنبايع الحسن؟"فقال"ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر [2] ".

فهذا ما كان عليه تصرف الصحابة في أمر تولية رئيس الدولة في عهد الخلافة الراشدة، والظاهر أن الذي أسس عليه بنيان هذا التصرف هو سكوت النبي صلى الله عليه وسلم في باب الخلافة وقول الله تعالى"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"الشامل لجميع شئون المسلمين الجماعية. والذي يثبت من هذه السابقة الدستورية ثبوتًا قاطعًا، هو أن انتخاب الرئيس في الدولة الإسلامية متوقف على رضاء عامة المسلمين ولا يحق لأحد أن يسلط نفسه على رؤوسهم بالقسر والإكراه، ولا اختصاص بهذا المنصب لأسرة أو طبقة خاصة. وينبغي أن يجري الانتخاب برضا المسلمين من غير ما عنف ولا تدليس. أما كيف يتبين رضا عامة المسلمين، فإن الإسلام لم يضع لهذا الغرض طريقًا محددًا، ومن الممكن أن نختار له مختلف الطرق والمناهج على حسب أحوال المسلمين وحاجاتهم بشرط أن نتمكن بهذه الطرق من معرفة الذين يحوزون ثقة جمهور الأمة.

تشكيل مجلس الشورى

(1) الطبري ج3 ص450 خلافة علي بن أبي طالب.

(2) الطبري ج4 ص112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت