والمسألة الخامسة التي تعرض لنا بعد إيضاح هذه الأمور الأساسية هي"كيف تتشكل الحكومة لتدبير شؤون الدولة التي تقوم على هذه الأسس؟"فأهم مسألة في هذا الصدد هي مسألة رئيس الدولة ( Head of The State) الذي يسمى في الإسلام بالمصطلحات المختلفة كالإمام أو الأمير أو الخليفة. وينبغي لنا الرجوع إلى تاريخ الإسلام في عهده لنعرف ما ذهب إليه المسلمون في هذا الشأن.
انتخاب رئيس الدولة:
من المعلوم أن مجتمعنا الإسلامي الحاضر بذرت نواته في وسط الكفر في مكة، وكان محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي قاوم هذا الوسط الكافر وأسس فيه بنيان المجتمع الإسلامي. ولما ازدهر هذا المجتمع وارتقى ارتقاءه في الإدارة والاستقلال السياسي حتى بلغ الدرجة التي انقلب بعدها إلى دولة قائمة في أرض العرب، كان النبي صلى الله عليه وسلم هو رئيسها الأول، وما كان قد انتخبه المسلمون، بل الله تعالى هو الذي اصطفاه من بين عباده لرسالته وولاه القيام بمهمة الإمارة في الدولة.
وما زال النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا بهذه المهمة -مهمة الإمارة في الدولة الإسلامية- لعشر سنوات، حتى التحق بالرفيق الأعلى من غير أن يأمر المسلمين ويهديهم هداية صريحة قاطعة في من يكون خليفتهم من بعده. والذي فهمه الصحابة من هذا السكوت ومن قول الله عز وجل في القرآن (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ، أن الله تعالى قد خيرهم في تولية الرئيس لدولتهم بعد نبيه بالانتخاب، وأنه ينبغي أن يكون هذا الانتخاب بمشاورة المسلمين فيما بينهم [1] . فانتخبوا أبا بكر الصديق خليفة على أنفسهم في جمع حافل من المسلمين.
ولما مرض أبو بكر رضي الله عنه وأحس بدنو أجله رأى مصلحة المسلمين في أن ينتخب لهم خليفتهم قبل موته، وكان يرى عمر بن الخطاب أجدر الناس بالخلافة ولكنه لم يعينه لهذا المنصب، بل دعا إليه كبار الصحابة واحدًا بعد آخر واستشارهم في الأمر. ولما تم له الرأي في استخلاف عمر بعد مشورتهم، دعا عثمان بن عفان فأملى عليه (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر ابن أبي قحافة إلى المسلمين. أما بعد) ثم أغمي عليه فكتب عثمان (فإني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرًا) . ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر أبو بكر. قال الطبري: وزوجته أسماء بنت عميس ممسكته، فقال لهم: أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما آلوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني وليت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا"سمعنا وأطعنا".
فهكذا ترون أنه ما تم العمل في تولية خليفة المسلمين الثاني بالتعيين، بل الخليفة الأول شاور كبار المسلمين في استخلافه ثم أعلن استخلافه بين الناس فأيدوه ورضوا بتوليته.
(1) لا شك أن الشيعة من المسلمين يقولون بأن الإمامة منصب توقيفي كالنبوة، أي أن الإمام أيضًا لا يكون مأمورًا إلا من عند الله تعالى. ولكن قد زال هذا الخلاف فعلًا بأنه لما كان منصب الإمامة عند الشيعة معطلًا بعد غياب إمامهم الثاني عشر إلى ظهوره الثاني، ينبغي أن يفرض زمام أمر المسلمين إلى رجل غير مأمور من الله تعالى.