ولكن هذا الرأي -في صورته المجملة هذه- كثيرًا ما يسبب سوء الفهم عند الناس في هذا الزمان، إذ هم يحاولون فهمه بالقياس إلى أحوالهم وأوساطهم الحاضرة ولا ينظرون إلى ذلك الزمان ولا الوسط الذي قد أخذنا هذا الرأي من أعمال الأمة فيه. فما كان أهل الحل والعقد في عهد الخلافة الراشدة منقسمين إلى أحزاب متفرقة، وما كانوا متقيدين بالضوابط البرلمانية بمثل ما تكون المجالس التشريعية متقيدة بها في هذا الزمان، وما كانوا يحضرون مجالس الشورى بعد أن يعقدوا مؤتمراتهم الحزبية ويضعوا لهم خطة العمل والسياسة، بل كانوا كلما دعوا للمشاورة يأتون المجلس بقلوب ملؤها الإخلاص، وكان الخليفة فيهم يعرض عليهم الأمر ويدلي كل واحد منهم برأيه إما مؤيدًا إياه أو معارضًا له حتى تصير جميع نواحي المسألة متجلية واضحة، ثم يوازن الخليفة بين الحجج الموافقة والمعارضة ويعرض عليهم ما عنده من الدلائل ويبين رأيه. وكان هذا الرأي في عامة الأحوال رأيًا يسلم به أعضاء المجلس كلهم. وقلما حدث أن بعض الأعضاء لم يوافقوا الخليفة على رأيه، ولكنهم ما كانوا يخطئونه ويأبون التسليم له وإنما كانوا يرونه رأيًا مرجوحًا ويرضون العمل به على الأقل إذا قضي الأمر واتفق عليه سائر أعضاء مجلس الشورى. ولم نعثر في تاريخ الخلافة الراشدة كله ولا على مثال واحد نرى فيه أهل الحل والعقد قد تفرقت آراؤهم حتى آل الأمر إلى عد الأصوات. ولا نجد إلا مثالين عقد الخليفة عزمه فيهما على أمر لم يوافقه عليه أهل الحل والعقد كلهم أو أكثرهم: أحدهما رأي أبي بكر الصديق رضي الله عنه في إنفاذ بعث أسامة بن زيد، والآخر رأيه في قتال المرتدين. غير أن الذي نزل لأجله الصحابة على رأي الخليفة في هذين الأمرين، لم يكن أن الدستور كان قد أعطى الخليفة حق النسخ لآرائهم فاضطروا إلى قبول رأيه على كره من أنفسهم، بل إنما كان السبب في ذلك أنهم كانوا يعتمدون على أبي بكر الصديق ويطمئنون إلى فهمه وبصيرته في الدين كل الاطمئنان، فلما رأوه موقنًا بصحة رأيه، جاعلًا له أهمية عظيمة للمصالح الدينية، نزلوا بطيب خاطر منهم عن رأيهم على رأيه، بل حمدوا له إصابة الرأي فيما بعد، وأعلنوا اعترافهم بأنه لو لم يظهر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في مثل هذه الساعات المحرجة بما ظهر من الثبات والاستقامة، لقضي على الإسلام، حتى قال عمر بن الخطاب -وكان أشدهم مخالفة لأبي بكر الصديق على رأيه في قتال المرتدين-"والله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق".
فهذه هي البيئة التي قد نشأ في نظائرها تصور حق الاعتراض ( Veto) في الإسلام. وإذا كان لمجلس الشورى من منهاج العمل والروح وعقلية الأعضاء وسيرتهم مثل ما تشهد به مجريات الخلافة الراشدة هذه، فما هناك طريق للعمل خير من هذا الطريق الذي اختاره المسلمون في ذلك الزمان؛ وإن أقصى ما يلجئنا إليه هذا المنهاج هو استفتاء الرأي العام في البلاد، إذا تعارض رأي الرئيس ورأي أعضاء مجلس الشورى في أمر من الأمور ولم يرض أحدهما بالنزول عن رأيه، فمن يرفض الرأي العام رأيه منهما يستقيل من وظيفته. ولكنه ما دام لا يمكننا أن ننشىء في البلاد مثل هذه الروح والعقلية ونقيم فيها مثل ذلك المجلس للشورى، فلا مندوحة لنا من أن نجعل الهيئة التنفيذية تابعة لآراء أغلبية أعضاء المجلس التشريعي.